Add Listing Sign In

كوّة نور من السويداء.. مثقّفون يتحدّثون عن انتفاضة المدينة السورية

العربي الجديد

كوّة نور من السويداء.. مثقّفون يتحدّثون عن انتفاضة المدينة السورية

جهة النشر: العربي الجديد

في مذكّراته التي طُبعت أوّل مرة عام 1967، يروي المناضل السوري عبد الرحمن الشهبندر تفاصيل لقائه بسلطان الأطرش في قرية كفر اللحف بالقرب من مدينة السويداء في أواخر آب/ أغسطس 1925، بعد نحو شهر من اندلاع الثورة السورية الكبرى ضدّ الاستعمار الفرنسي، حيث رسم الشهبندر (الذي يُطلَق عليه لقب العقل المخطّط للثورة) مع قائدها الأطرش خطّة الهجوم على دمشق آنذاك.

استمرّت معارك الثوَّار حتى حزيران/ يونيو 1927، وشارك فيها أبناء معظم المدن السورية واستشهد منهم حوالي ستّة آلاف. ورغم أنها لم تُحقّق الاستقلال المنشود، إلّا أنّ العديد من المؤرّخين يُجمعون على أنّ من أهمّ نتائجها إجبارُ الفرنسيّين على إعادة توحيد سورية بعد أن قُسّمت إلى أربع دويلات (دمشق، وحلب، والسويداء، واللاذقية)، وتكريس الوعي بهوية وطنية فوق النّزعات الطائفية والمناطقية.

تُستعاد الثورة اليوم في لحظة عصيبة من تاريخ سورية المُعاصر، حيث تتصارع عليها إرادات خارجية في تقاسم لأراضيها من قبل جيوش ومليشيات أجنبية، بعد مرور اثني عشر عاماً على انتفاضة الشعب ضدّ نظام مستبدّ وفاسد ارتكب أبشع المجازر، والتي دفعت بملايين السوريين إلى اللجوء القسري إلى العديد من بلدان العالم، ونزوح أعداد مُوازية داخل سورية، التي تعيش أغلبية شعبها تحت خطّ الفقر، ليعود الحراك من جديد منطلقاً هذه المرّة من السويداء، ومستمرّاً لأكثر من شهر.

تستطلع “العربي الجديد” آراء نخبة من الكاتبات والباحثات والباحثين والفنّانات والفنانين السوريات والسوريين حول ما يحدث في المدينة التي تقع في الجنوب السوري.



خلود الزغير: لم يتوقّف الحراك

تقول الباحثة المُقيمة في باريس، خلود الزغير: “لا يُمكننا القول بأنّ الحراك السوري كان متوقّفاً خلال السنوات العشر الماضية. التظاهر والحراك الشعبي كانا مستمرّين، يشتدان أحياناً، ويخبوان أحياناً أُخرى، سواء على مستوى سورية ككلّ أو على مستوى محافظة السويداء”، مُبيّنة أنّ “الحراك في السويداء بدأ منذ 2011 وهو مستمرّ إلى الآن، إذ كانت هناك موجات متعدّدة ومختلفة من حيث الكم والتكوين. فما بين عامي 2011 و2014، اتسم الحراك بطابع نُخبوي محدود الكمّ تُشارك به مجموعة من المثقّفين المسيّسين والمعارضين للنظام. وبعد 2014 وحتى 2020، نلاحظ تراجُع الحركة الاحتجاجية في المحافظة من جهة بسبب القمع الوحشي والتدميري الذي اتّبعه النظام في جميع أرجاء سورية، ومن جهة أُخرى بسبب صعود الحركات والتيارات الإسلامية التكفيرية المتطرّفة، ممّا قاد المحافظة لخيار الحياد والنأي بالنفس”.

وتُضيف: “بعد عام 2020، بدأت موجات احتجاجية أكثر اتساعاً من الموجات الأُولى تتميّز بمشاركة شبابية واضحة وذات مطالب معيشية. بينما اتّسم عام 2022 باحتجاجات موجّهة ضد عصابات القتل والخطف والسرقة والمخدّرات التي أنهكت المحافظة وروّعتها. كما حصل نهاية العام الماضي، حيث جرى اقتحام مبنى محافظة السويداء وحرقه”.

ما يميز حراك عام 2023 عما سبقه، بحسب الزغير، هو اتّساع نطاق المشاركة، إذ يُمكننا القول إنّ الفئة التي سُمّيت بالرمادية أو الصامتة خلال السنوات الماضية دخلت بقوّة في الاحتجاج المُعارض للنظام صراحةً وبقوّة، ولأسباب عديدة أهمّها يقينُها بعدم قدرة النظام الحالي على إدارة البلاد وحماية الشعب بسبب سياسات الفساد والإجرام بهدف بقائه في الحكم ولو على حساب الشعب، وثانيها تأييد المشايخ للحراك وإعطاؤه مظلّة دينية، وثالثاً القرارات الحكومية الأخيرة التي زادت من إفقارِ الشعب، إضافةً إلى المقابلة التلفزيونية الأخيرة لرأس النظام التي حملت الاستفزاز والعنجهية والتفاخر بسياسات التدمير المتّبعة خلال المرحلة السابقة.

وتلفت الزغير إلى أنّ مدينة السويداء تحمل ذاكرة قوية تتعلّق بالثورات والتمرّد على السلطة الحاكمة منذ الحقبة العثمانية مروراً بالانتداب الفرنسي إلى مرحلة ما بعد الاستقلال. في هذه المراحل لطالما كان لها ولأبنائها حضورٌ بارزٌ في قيادة وتحريك الانتفاضات الشعبية وفي تبنّيهم لشعارات وهويّة وطنية جامعة ترفض الطائفية والتقسيم والانعزال عن سورية، مردفةً: “الحفاظ اليوم على روح هذه الشعارات والهويّة الوطنية السورية هو الحامي الأساسي للحراك وللمُشاركين فيه”.

وتوضّح الزغير: “لا يُمكن لجيل الشباب القطع مع ذاكرة المُحافَظة. إذ إنّ أمجاد الماضي وثوراته لا تكمُن في كتب التاريخ فقط، بل يتغنّى بها سكّان المحافظة في كلّ مناسبة. فمن يُشاهد أعراس المدينة على سبيل المثال يشعر بأنّه في معركة؛ حيث أغاني الفرح عبارة عن استرجاع لبطولات الماضي وأمجاده. هذه المدينة المهمَّشة من قبل السلطة والفقيرة اقتصادياً وصناعياً وزراعياً، تعتمد على تعليم أبنائها وموارد مغتربيها وفخرها بتاريخها. اليوم يستقي الجيل الجديد من هذا التاريخ ويُطعّمه بشعارات المرحلة الراهنة (الديمقراطية، والحرية، والدولة المدنية، وحقوق الإنسان… إلخ)”.

وتنبّه إلى أنّ الذاكرة المُحمَّلة بقصص ومرويّات البطولة أمام الآخر/ العدوّ والموت من أجل الكرامة ورفض الذلّ هي مخزون روحي يغذّي خيار الخروج للشارع اليوم ومواجهة نظام لم يوفّر شكلاً من أشكال العنف تجاه شعبه خلال 12 عاماً. وهذا يفسّر خيار أهالي السويداء حرق السفن وراءهم والخروج ضدّ النظام بعد كل ما شهدوه أمامهم من بطش وإجرام.

وحول التعبيرات الفنّية التي يقدّمها الناس في الشارع، تُبيّن أنّ ما يُنظَّم اليوم في ساحات المدينة وقراها هو لوحة فنّية متجدّدة بالرسوم والشعارات المنضبطة والتعبيرات المبتكرة من خلال الأغاني والرسوم والموسيقى، إذ يستقي المتظاهرون من الأغاني التراثية لتحويلها إلى أناشيد احتجاجية وحلقات احتفالية. كما نرى المبادرات الأهليّة المتعلّقة بالضيافة بهدف تثبيت أولوية المطالب السياسية على المطالب المعيشية، وقد تفاعل فنّانون سوريون مع هذا المشهد الجمالي اليومي بتعبيرات فنّية تُهدى للحراك في محاولة لدعمه وتأييده، بينما وحتى الآن نلحظ ضعف التفاعل الشعبي السوري في باقي المناطق بسبب خضوعه إمّا لسلطة النظام أو لسلطات الأمر الواقع، والتي يجمعها مع النظام القلق من شعارات الحرية والعلمانية والوحدة الوطنية.


مالك جندلي: مدينةٌ مُعارضة تاريخياً

بدوره، يرى الموسيقي السوري المُقيم في نيويورك، مالك جندلي، أنّ حراك السويداء لم يتوقّف طيلة الأعوام الماضية، وإن لم يكن بالزخم الحالي؛ فالسويداء مدينة مُعارضة تاريخياً وتعرّضت للقمع والتهميش منذ استيلاء الأسد الأب على السلطة في سورية، وشاركت في الثورة السورية العظيمة منذ انطلاقتها عام 2011، ولعلّ أهم مؤشّر يدلّ على موقف المدينة السياسي هو منع الأهالي لأبنائهم من الالتحاق بالخدمة العسكرية لدى النظام. 

ويتابع، في حديثه إلى “العربي الجديد”، قائلاً: “لقد دفعت السويداء ثمناً باهظاً جدّاً، نتيجة هذا الموقف الوطني، عبر استخدام النظام لتنظيم ‘داعش’ الإرهابي كعصا لتركيع المدينة، تُوّجت بهجمات التنظيم الإرهابي على أرياف المدينة عام 2018. أمّا الحراك الحالي فهو استئناف لحراك السوريّين جميعاً في ثورتهم التاريخية، وتأكيد على مصيرهم المشترك وهويّتهم الوطنية التي سعى نظام الأسد جاهداً إلى تشويهها، لا بل نسفها لإعادة السوريّين إلى مرحلة ما قبل دولة المواطنة.

وعن التعبيرات الفنّية التي ابتكرها المتظاهرون في الشارع، يقول: “أهازيج المتظاهرين في السويداء هي أجمل شعارات المظاهرات السِّلمية، وتُعيد للذاكرة صرخات السوريين الأُولى بالحرية والكرامة، ونشهد اليوم الجيل الجديد الذي يحمل مبادئ الثورة وأهدافها ويرثها عن سابقه، هذا الجيل من الشباب الذي أغلق نظام الأسد الاستبدادي أيّ أفق مستقبلي له، وبات السبيل الوحيد هو استمرار الثورة والنضال حتى الخلاص من منظومة الإجرام التي أعادت سورية قروناً إلى الوراء. جيل الشباب السوري وحده هو مِعوَلُ هدم منظومة الفساد والاستبداد، وهو مِعوَل بناء دولة المُواطنة وإعادة ترميم ما دمَّره النظام الديكتاتوري”.

كان جندلي قد عزف مؤخّراً لانتفاضة السويداء، مؤدّياً عبر البيانو جزءاً من أغنية “يا حيف” الشهيرة للفنان سميح شقير. ويختم حديثه برسالة إلى فنّاني سورية قائلاً: “أنتم ضمير هذا الشعب العظيم فلا تتركوه ولا تخافوا من ثورة تاريخية أعادت ولادتنا وها هي، بعد مُضي أكثر من اثني عشر عاماً على انطلاقها، تؤكّد من جديد أنّها ثورة وطنيّة بامتياز وليست طائفية أو رجعيّة كما هي منظومة قاتل الأطفال… ثورة عظيمة تسعى لإعادة سورية وكلّ السوريّين إلى ركب الحضارة والحداثة الثقافية والديمقراطية بعد أن سلبها نظام الأسد الإجرامي بنصف قرن من الفساد والاستبداد ومجازر الإبادة الجماعية. وقوفُنا كفنّانين إلى جانب أهلنا وتضامُننا مع شعبنا واجب وطني إنساني وليس منّة منا، فهذا أقلُّ واجب إنساني في سمفونية سورية من أجل الحرية والكرامة والسلام. ليس لنا غير بعضنا البعض وربّ العالمين والتاريخ يسجّل للجميع. انتهى عهد الصنم… سوف نقاومهم بالألم ونهزمهم بالقلم والنغم”.


نجاة عبد الصمد: إرث نساء السويداء

أمّا الطبيبة والروائية المقيمة في برلين، نجاة عبد الصمد، فتلفت في حديثها إلى “العربي الجديد” إلى أنّ قيادة الحراك، اليوم، بيد جيل الشباب، لكنّ المشاركين من جميع الأطياف، رجالاً ونساء، وتضيف: “أخصّ النساء… هو إرث نساء السويداء اللواتي لم يفوّتن ملمّةً إلّا وكُنّ الشريكات الحقيقيات في اجتيازها، بل والرائدات فيها”، داعيةً إلى الانتباه إلى مشاركات النساء، وكيف يُقاسمن الرجال جميع الأدوار ويتفوّقن عليهم في بعضها، عبر منافسةٍ غايةٍ في الإيجابية. لقد ابتكرت النساء، وفق صاحبة “لا ماء يرويها” (2018)، أفكاراً بسيطة وخلّاقة وغير مُكلفة، حضورهنّ بالبدلة العربية (التقليدية) التي لا يلبسنها إلى ميادين العمل، لكن حضورها في الوجدان يُوقد الحَميّة، واختيارهنّ للّون الأبيض وهنّ يقفن ويُنشدن جوقةً واحدة: “علّي صوتك!”، ويُلوّحنَ بأغصان الزيتون… هنّ لا يضمنّ النتيجة والمآل، يكفيهنّ أنهنّ قد صرخن.

وتتابع حديثها عن التفاصيل الفنّية المبتكرة في الاحتجاج، قائلة: “وهل أجمل من الطريقة التي عبّر بها متظاهرو السويداء عن مطالبهم؟ أين كانت تختبئ هذه التعبيرات، الأفكار، التي تعجّ حياةً وحضارةً وإنسانية؟ هذه الأفكار التي لا يمكن أن تولَد بين ليلة وضحاها، بل هي نتيجة تربية وتعليم وتثقيف عمرهما من عمر الأشخاص والمكان، بدءاً من الإدارة والتنظيم العاليين للحراك، وأهمّه حماية مؤسّسات الدولة؛ حيث لم تُسجّل أيّة حوادث أو اعتداءات أو تخريب، إلى الالتزام بتنظيف الساحة الممتاز بعد انفضاض المظاهرات… ثمّ إحضار الخيل المُباركة إلى الساحة يقودها خيّال، أغاني “الجوفية”، حلقات الدبكة كأنها عرسٌ بلدي الكلّ فيه عرسان وعرائس، حلقات الرسم للأطفال وحلقات الغناء والموسيقى؟ وتلك السيّدة العظيمة والشيخ الطيّب وهُما يوزّعان عنب السويداء وتينها وقهوتها المرّة على المُجتمعين… إنّها فنون الحبّ، فنون الحياة، فنون الحكمة والعقل مقابل نهج النظام القائم على العنف والقتل. وهل كان يكبت أفكار الحياة ويخنقها سوى القمع والخوف؟”.

وتنظر عبد الصمد إلى الحراك من زاوية تؤكّد أنه استُؤنف ولم ينطلق. فما أخرسته، حسب رؤيتها، هي قبضة الأمن من وقتٍ لوقت بينما تخسر سورية نصف مليون ضحية من أهاليها، وعشرات آلاف المعطوبين والمقعدين، ومئات آلاف المعتقلين والمُغَيَّبين قسرياً، وحوالي اثني عشر مليون مُهجّر ولاجئ، وينهار اقتصادها وتُباع ممتلكاتها العامّة ويتناهبها أكثر من احتلال وتعيث فيها الفصائل المسلّحة خطفاً وسرقةً وهدماً للبنى الأخلاقية. هل من حالٍ أسوأ من هذا الحال؟ تتساءل صاحبة “غورنيكات سورية” (2013).

وتختم: “خلال كل ما سبق، لم تصمت صرخات الناس ولم تتوقّف عن مطالبها بالأمان والكرامة ودولة القانون، بدءاً من الانخراط الخجول في الثورة السورية منذ أيامها الأُولى عام 2011، والذي لم يقتصر على ساحات السويداء، بل شارك أبناؤها في درعا وريف دمشق وحمص وحلب، الشهيد تامر العوام مثالاً. ثم حراكُ مشايخ ‘الكرامة’ بصبغته الوطنية السورية، ورفض عشرات آلاف الشباب للتجنيد والتورّط في الدم السوريّ، ثم مواجهة أهالي السويداء لهجمة تنظيم ‘داعش’ بالصدور والسلاح الفرديّ مع غيابٍ كلّي للجيش السوريّ عنها في يوم الأربعاء الأسود، 25 تمّوز/ يوليو عام 2018، ثم حركة ‘بدنا نعيش’ عام 2020، هذه بعض أمثلةٍ من حراك الأهالي الذين وصلوا إلى حالٍ من الضيم والحيف والتهجير والتفقير بكل السبل، وظلّوا يدافعون عن وجودهم بكل السبل، ووصل حراكهم اليوم إلى ‘ساحة الكرامة’ في قلب مدينة السويداء، وامتد إلى أبعد قراها.


سهيل ذبيان: أمام وجه سورية الجميل

من جهته، يؤكّد النحّات والتشكيلي المُقيم في السويداء، سهيل ذبيان، لـ”العربي الجديد”، ما ذهب إليه المشاركون في الاستطلاع، موضّحاً أنّ حراك السويداء لم يتوقّف يوماً منذ 2011، وإن لم يكن دائماً بالمستوى المطلوب، وذلك يعود لأكثر من سبب؛ منها حضور المعارضة التقليدية التي التزمَت بسقف مطلبي ليس أكثر، وهذا ما حدّ من مشاركة العنصر الشبابي الذي كان همُّه أبعد من ذلك بكثير، ويتمثّل في تغيير سياسي جذري من خلال القرار 2254.

ويُتابع: “هذه الفئة من الشباب والشابّات ليس غريباً عنها النشاط الثوري، لأنها مُشرّبة بهذا الإرث العريق، ضِف إلى ذلك الوعي السياسي، وهذان العاملان إذا ما اجتمعا سيقدّمان صورة مذهلة ومبدعة ومبتكرة في أسلوب الاحتجاج وتعبيره وفي مستواه الراقي، ما يُدلّ على الثقافة التي يمتلكها الشباب السوري، رغم أنه يقبع طيلة سنوات تحت سطوة هذا النظام. الآن وهنا، نحن أمام الوجه الجميل لسورية، الذي عُبّر عنه من خلال اللافتات واللوحات والأهازيج الجديدة التي ستدخل تراثنا الشعبي، وغداً سنسمعها في الأعراس، كما كنّا نغنّي طيلة عقود الأهازيج التي وُضعت في عصر الثورة السورية الكبرى. كلّ هذا سينضاف إلى قاموسنا الشعبي، من خلال لوحة أو لافتة أو أغنية نُخاطب بها ضمير العالَم”.


وداد نبي: فكرة الحرية مرّة أُخرى

بدورها، تقول الشاعرة والكاتبة المقيمة في برلين، وداد نبي، إنّها مثل الكثير من السوريّين/ السوريات الذين يقيمون خارج البلاد، لديها حذر شديد في الحديث عمّا يحدث هناك، لأنّ من يغامرون بأمنهم وحياتهم وبيوتهم وحياة عائلاتهم هم الأجدر بالحديث، مُضيفة: “أمّا نحن الذين في الخارج فلنا وجهات نظرنا، التي قد يختلف معها من هُم في الداخل أو يتّفقون. لكن يبقى صوتُهم هو الصوت الوحيد القادر على إحداث التغيير وبثّ الأمل في فكرة الحرية والتغيير مرّة أُخرى”.

وتلفت إلى أنّ هذا الحراك يبعث الأمل في رماد المُدن السورية التي دمّرها الديكتاتور بعد الثورة عام 2011، وأنّه يجعل النظام الذي خرج شبه منتصر من معركته مع شعبه يبدو اليوم خاسراً رغم كل شيء، واستطاع الحراك أيضاً جمع السوريين مرّة أُخرى سواء في الداخل أو الخارج معاً. وتُتابع: “ربما أصبحنا ندرك اليوم، أكثر من أيّ وقت مضى، أن الخسارة أمام جيش الديكتاتور لا تعني أنه قتل بداخلنا الرغبة بالحرية رغم كل شيء”.

“لا أستطيع القول بكل تأكيد أن الحراك في السويداء هو استمرار/ امتداد لما حدث عام 2011″، تقول نبي التي تبيّن أنّ الحراك يبدو نتيجة حتمية للتراكمات التي حدثت منذ ذلك الوقت؛ فهو أكثر وعياً بالمشكلات التي يمكن أن يواجهه كحراك سِلمي في بلد يحكمُه نظام ديكتاتوري متوحّش، لا يستبعد استخدام أيّ شكل من أشكال العنف للتخلّص من معارضيه، ومن خلال متابعة للخطاب الدي يصدر من الشباب هناك يبدو أنه أكثر نضجاً من عام 2011.

وتُشير إلى أنها لا تحبّذ كثيراً العودة للماضي البعيد وربطه باللحظة الحاضرة، فمقاومة الاستعمار الفرنسي كان من خلال ثورة مسلّحة، أمّا اليوم فالحراك سلمي، يهدف للتغيير السياسي والاقتصادي من خلال أدوات سلمية، وهو ما حدث سابقاً في كافّة المدن السورية، بغضّ النظر عن خصوصية كل مدينة، لذا تميل للقول إن الحراك في السويداء مرتبط بالمطالب العادلة والمحقّة التي يطالب بها السوريون في بقية المدن السورية ومن هُم في خارجها.

وتؤكّد نبي أنّ خطاب حراك السويداء بعيدٌ عن الكراهية والإقصاء بالمطلق، ورغم تواجد رجال الدين ضمن قيادات الحراك، إلا أنه بعيد عن الشعارات الدينية التي سادت عام 2011، لكن يمكن التنويه إلى نقطة سلبية بين الحراك عام 2011 وبين اليوم، وهي عدم تقبّل الآراء النقدية أو المخالفة، فمجّرد أن يكتب أحدهم نقداً للحراك في السويداء حتى يجري الهجوم عليه، ومطالبته أن يخرس، وهو للأسف ما حدث سابقاً، فغياب النقد كان من أهمّ أسباب الفشل حينها كمعارضة سلمية.


جورج كدر: الثورة حيّة

من جهته، يشير الكاتب والصحافي المقيم في أمستردام، جورج كدر ، إلى أنّ أهل السويداء أكّدوا بثورتهم السلمية أنّ ثورة كلّ السوريّين الرافضة للطغيان والديكتاتورية هي ثورة حيّة لن تموت مهما طال الزمن طالما بقيت أسبابها، وستبقى تتجدّد حتى تحقيق مطالب السوريّين في العيش الكريم والحرية والكرامة، ومن غير المُستبعد أن نراها في طرطوس ومدن الساحل رغم كلّ القمع والقتل والسجن الذي يُمارسه النظام هناك، فالسوريون أدركوا أنّ من لا كرامة له سيبقى مَداساً لأقدام الطغاة أبداً، وأنّ الموضوع أكبر بكثير من مصالح طائفية أو شخصية ضيقة.

ويتابع: “للسويداء خصوصيتها الجغرافية والتاريخية والاجتماعية كما لكلّ مدينة سورية، ولكنها ليست معزولة عن محيطها كما يحاول البعض تصويرها، وقيمتُها الرمزية تكمن في اعتبارها شرارة الثورة ضدّ الاحتلال الفرنسي التي صارت رمزاً للنضال ضدّ أيّ محتل، وهو ما يؤكّد عليه ثوّارها اليوم بشعاراتهم ومطالبهم السِّلمية وعلى لسان رموزهم الوطنيّين”.

ويوضّح كدر أنّ جيل الشباب، اليوم، الذي يتصدّر المشهد الثوري السِّلمي في السويداء فيه من جماليات المشهد التاريخي ما يمنح أصحاب الحقّ الأمل دائماً بأنّ الأجيال التي تربّت على الحرية والكرامة لن تكسرها أبداً حملات القتل والتهجير والتغييب في السجون التي ينتهجها الطغاة لوأد روح الثورات ضدّهم، هذا يجعل من شباب السويداء وكبارهم أيضاً امتداداً طبيعياً للشباب السوريّين جميعاً الذين أطلقوا شرارة الثورة السورية ودفعوا ثمنها من أرواحهم ودمائهم، وكان لخروج السويداء بشيبها وشبابها وبرجالها ونسائها تأكيداً على أنّ تضحيات السوريّين لبناء مجتمع الكرامة والحرية والعدالة فكرة حيّة لن تموت.

ويلفت صاحب “معجم لغة الطفولة” (2022) إلى أنّ أجمل ما في ثورة السويداء حتى هذه اللحظة – لأنّنا لا نعرف ما يخبئه لهم نظام الأسد المعروف بغدره ودمويته – هو شعارات السِّلمية التي تركز دائماً، سواء في اللافتات المكتوبة أو الهتافات المنطوقة، على المطالبة بتطبيق قرارات الشرعية الدولية فيما يخص قرارات الأمم المتّحدة بالانتقال السّلمي للسلطة في سورية وصياغة دستور جديد، وأيضاً التركيز على شعارات فصل الدين عن الدولة؛ وهي شعارات يتبنّاها حتى القادة الروحيون الأكارم، وعلى رأسهم الشيخ الهجري والشيخ الحناوي.

ويختم بقوله: “لا ننسى تصدُّر نساء السويداء المناضلات المشهد الثوري، ما أعطى ثورتهم بُعداً رمزياً مهمّاً في التأكيد على سلميتها، وهناك لافتات جميلة قدّمها شباب السويداء، فقد شرّفني أحرارهم برفع اسمي بينهم في أيام ثورتهم الأُولى، وكذلك فعلوا مع العديد من الأسماء في أنحاء سورية ممن دافعوا عن حراكهم في انطلاقته في وجه الدعوات التي ظهرت في البداية لاختزال نضالهم بأنه فقط ثورة ضدّ الجوع، وليس بكونها امتداداً لثورة الحرية والكرامة، وهذه كانت لفتة جعلتنا نشعر ونحن في غربتنا أنّنا في قلب الوطن وجزءٌ من مشهد أعاد للسوريّين أملهم بتحقيق حلمهم بوطن يحترم حقوقهم وكرامتهم وحريتهم”.


ختام غبش: لم تكن السويداء حِيادية

وتعود الباحثة في مجال الآثار والكاتبة المقيمة في بيروت، ختام غبش، في حديثها لـ”العربي الجديد”، إلى عام 2011، لتقول: “حينذاك لم تقف السويداء على خطّ الحِياد كما ردّد النظام السوري وأعوانه وبعض إعلام المعارضة “المُوجَّه”، بل على العكس من ذلك، ساهمت مدن كبرى في الحراك السوري، وإن لم يكن بالزخم الذي نراه اليوم، حيث إنّ التراكمية الوقتية والمأساوية أفرزت حالة ثورية استثمرت الحالة العدمية التي يعيشها الشعب السوري اليوم، باعتبار أن النظام استطاع في ثورة 2011 التلاعُب بالخريطة السورية والزجّ بالحراك إلى الملعب الطائفي المسلَّح”.

وتتابع في تحليلها مُنطلقة من وجهة نظر تاريخية، تُقارب ما يفرضه النظام بحملات التجنيد بما أسّست له دولة محمد علي باشا: “هناك ذاكرة قاسية عن التجنيد والزجّ بالأرواح في المعارك الطاحنة على مدار التاريخ الدموي للمنطقة. بُنيت مملكة محمد علي باشا على أرواح كثيرة تعود لجسد الجندي المُلتزم الذي لم ير فيه سوى مفاتيح لمساحات سحيقة ووعرة، فاعتمدت سياسته على تجنيد أعداد كبيرة في خدمة مشروعه التوسّعي هذا. لاقت فكرة التجنيد الإلزامي استحسان “الملك العظيم”، وقاده ذلك إلى سحب أعداد هائلة من أبناء الأرياف المصرية والسورية وتقديمها كأضاح في “فتوحاته العظيمة”، بعد فشل مشروعه في السودان. أسّس محمد علي وراكم ذاكرة مرعبة عن التجنيد وسوق الرجال – وخاصة منهم أبناء المناطق الجبلية الوعرة الذين لهم طاقة عالية على التحمّل – كقطعان إلى مشاريع دنيئة أُزهقت خلالها آلاف الأرواح بشكل عام ومن الأقلّية الدرزية بشكلّ خاص.

وتختم: “شكّلت الذاكرة الجمعية والنظام الديني – القبَلي عوامل رئيسية جعلت من الدروز جماعة ذات رؤية موحّدة لماضيها الذي لا يزال حتى اليوم مشتعلاً بالثورة، ورمزهم الأهم سلطان باشا الأطرش الذي وضع علم سورية بعد نجاح الثورة السورية الكبرى، مبدّداً مشاريع الدُّول العظمى آنذاك بتقسيم الجغرافية السورية إلى أقاليم، وما أشبهه بمشهد اليوم في ساحة الكرامة بالسويداء الذي يكذّب خطاب النظام وأعوانه برغبة الدروز بمشروع انفصالي والعمل على التحريض ضدّهم. إلّا أن أهمّية هذه المرحلة تكمن في أنّ النظام فاقد لأدواته القديمة، والتي لحُسن حظّنا لم ينتظر التاريخ دورته الطويلة لنتعلّم منها، عشر سنوات ليست بالمرحلة الكافية لننسف حراكاً ثورياً عارماً شارك فيه أبناء الشعب السوري بمختلف طوائفهم وقومياتهم ضد نظام ديكتاتوري سيسجّل التاريخ بأنه الأبشع عبر الزمن”.


لؤي صافي: انتفاضة متجدّدة

يقول الباحث والناشط المُقيم في الدوحة لؤي صافي: “انتفاضة السويداء ضدّ نظام الأسد قديمة، لكنّها لم ترتفع إلى المستوى الحالي من الحراك الشعبي الواسع ضدّ النظام إلّا خلال الأسابيع الماضية، بعد أن تدهورت الحياة العامّة في مناطق النظام، نتيجة إهمال رأس النظام المصلحة الوطنية والاستمرار في تقديم مصالح الجهات المهيمنة على سورية، وفي مقدّمتها إيران وحزب الله”.

ويتابع: “الحراك ضدّ النظام في السويداء تمثّل في السابق بحركة رجال الكرامة بقيادة الشيخ وحيد البلعوس، والتي تعامل معها النظام بوحشيته المعتادة وقام باغتيال البلعوس في تفجير أودى بحياة العديد من مناصريه أيضاً. استئناف الاحتجاجات ضدّ النظام وتوسُّعها بالشكل الذي نشهده اليوم لتشمل شيوخ العقل يعودان إلى استمرار تعنُّت النظام ورفضه كلّ الدعوات للقيام بإصلاحات والتوقف عن تقديم مصالح إيران وروسيا على مصالح الشعب السوري”.

ويشير صافي إلى أنّ الاحتجاجات الرافضة لبشار الأسد وسياساته التي دمّرت الوحدة الداخلية للشعب السوري وأضرّت بجميع مكوّناته يقودها جيل جديد من السوريّين نشأوا في ظروف الثورة والصراع ضدّ عنف النظام وطغيانه، مضيفاً: “واضح أنّ الشباب السوري المنتفض في السويداء اكتسب خبرة مما جرى خلال سنوات الثورة، وهو يُدرك أهمية التحرّك تحت راية وطنية تجمع ولا تفرّق. تواصُل القيادات الشابة في السويداء، مع نظرائهم في درعا، مطالباتهم بالإفراج عن جميع المعتقلين في سجون النظام هو ثمرة للوعي بأهمية تعاون المكوّنات السورية لمواجهة نظام عات، وهو يطمئن إلى أنّ استبداد النخب الفاسدة التي يقودها بشار الأسد لن يستمر رغم الجهود التي يبذلها حلفاؤه باسم الممانعة ضدّ الهيمنة الإسرائيلية. هذه الحِيل لا تنطلي بالتأكيد على الجيل الجديد من السوريّين الذي يدرك جيّداً أنّ أي ممانعة للعدوان الإسرائيلي تتطلّب الحفاظ على وحدة وقوّة وكرامة الشعب السوري، وأنّ استهداف أبناء الوطن وتهجيرهم وإذلالهم يُضعف سورية ويجعل الحديث عن الممانعة كلاماً ممجوجاً”.

المصدر.

Prev Post
صمود عابر للمناطق: ردود اللاجئين على أنظمة القمع المتعدّدة في مخيم برج البراجنة
Next Post
أسرٌ محاصرةٌ في قرى ريف اللاذقية.. «مرحبا دراسة»

Application for registration on Rawabet

X