Add Listing Sign In

أسرٌ محاصرةٌ في قرى ريف اللاذقية.. «مرحبا دراسة»

صوت سوري

أسرٌ محاصرةٌ في قرى ريف اللاذقية.. «مرحبا دراسة»

بقلم: جمان أرجوان

جهة النشر: صوت سوري

كان أبو رائد يُمني نفسه بأن يتكفّل موسم الزيتون لهذا العام في تغطية نفقات دراسة ولديه الاثنين، فضلاً عن شراء بعض الحاجات المؤجّلة، وإعادة زراعة الأرض الصغيرة التي يملكها على الأطراف الشمالية لمدينة اللاذقية، قبل أن يصطدم بحقيقة عدم وجود موسم هذا العام!

يقول الرجل البالغ من العمر 48 عاماً: «الزيتون مزاجي، يمكن أن يعطي مواسم عديدة بشكل غزير، ويأتي في موسم ما ولا يعطي»، ويتابع قائلاً: «اختار الزيتون هذا العام الشديد القسوة ليستريح، اختار العام الذي قفزت فيه الأسعار خلال بضعة أشهر ثلاثة وأربعة أضعاف ليضع الملح على جراحنا».

يدرس ابنا العم أبو رائد في الجامعة، أحدهما في كلية الهندسة الزراعية، والآخر في كلية العلوم، ما يعني أن على الرجل، وبالحد الأدنى، تأمين مصاريف ذهاب وعودة ابنيه من وإلى الجامعة يومياً مع مصروفيهما. يحتاج كلٌّ من الشابين أن يستقل حافلتين ذهاباً ومثلهما إياباً، لتبلغ تكلفة اليوم الواحد للشخص نحو 5 آلاف ليرة سورية، الأمر الذي يتطلب أكثر 200 ألف ليرة شهرياً لمواصلاتهما، على اعتبار أن أيام الدوام شهرياً تتراوح بين 20 و24 يوماً، هذا من دون الحديث عن المصاريف الاعتيادية لطالب الجامعة، التي تزيد عن هذا الرقم بأكثر من ضعف!

أمام هذه الظروف، بدأ الرجل وولداه يدرسون إمكانية إيقاف أحد الشابين تسجيله في الجامعة هذا العام، على أن يتبادلا الأدوار في العام المقبل إن استمرت الأحوال في التردي كما هو متوقع.

يقول أبو رائد: «ليتمكن أحدهما من الدراسة يجب أن نضع مخططاً يتضمن إيجاد عمل للمتغيب عن جامعته، وضغط كل المصاريف أياً كانت إلى أقصى حد ممكن، علّ السنة القادمة تحمل حلولاً أفضل»، ويستطرد: «لسنا وحدنا من يعاني. معظم أبناء القرية أصبحوا محاصرين فيها، يحاول من يملك من أبناء القرية دراجات نارية تلبية بعض احتياجات أهله وجيرانه من المدينة، مغامراً بإمكانية مصادرة دراجته، فجميع الدراجات المنتشرة غير نظامية كما هو معروف».

في منتصف شهر آب الماضي رفعت الحكومة السورية أسعار المحروقات بنسبة بلغت نحو 167 بالمئة، بالتزامن مع رفع الرواتب بنسبة 100%، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف النقل والانتقال والإنتاج في مختلف القطاعات، لتتحول زيادة الرواتب، كما جرت العادة في سوريا على مدار العقدين الماضيين، إلى مصيبة لا يتمنى السوريون وقوعها. 

وفضلاً عن خنق هذه الإجراءات شريحة واسعة من السوريين الذين يرزحون تحت خط الفقر، جاء تزامنها مع موسم المدارس، وموسم المونة المندثر هو الآخر ليضاعف جراح المنكوبين، وهي جراح لم تستطع بعض المبادرات التي تنفذها جهات مختلفة لتوزيع القرطاسية والحقائب على بعض الأطفال تضميدها. 

في قرية الشامية، إحدى قرى الريف الشمالي للاذقية، يبحث سالم عن مشتر لمنزله الكبير، أملاً بتوفير مبلغ يمكنه من شراء شقة صغيرة داخل مدينة اللاذقية. يقول الرجل: “التهمت نفقات وصولي إلى العمل معظم راتبي، لو أنني أسكن في المدينة لربما ذهبت وعدت مشياً»، ويتابع: «هذه الظروف تسببت أيضاً بمحاصرة عائلتي التي أصبحت فكرة تحركها وإجراء أية زيارة عائلية مكلفة إلى حد كبير، خصوصاً أن والد زوجتي مريض، وتحتاج زوجتي إلى زيارته بشكل متواصل في بيته في المدينة، هذا الأمر يستنزفنا، ولا أعرف كيف يمكننا الصمود».

أما أم رغد، التي تعيش على أطراف صلنفة، فقد بدأت هي الأخرى تبحث عن طريقة لإيصال بناتها الثلاث إلى المدرسة في مرحلة التعليم الأساسي. تقول السيدة: «في العام الماضي كان جارنا يتولى نقلهنّ مع ابنه، ولكن ابنه أصبح الآن في الجامعة، ومن غير المنطقي أن أطلب منه أن يوصلهن، خصوصاً أن ثمن البنزين لم يعد محمولاً».

وتضيف: «السيرفيس الذي يصل إلى قريتنا يطلب مقابل إيصالهن مبلغ 4 آلاف ليرة يومياً، ما يعني أن عليّ أن أدفع أكثر من 80 ألف ليرة شهرياً، وهذا يعادل تقريباً 40 بالمئة من راتب زوجي».

في محاولة من أبي رغد لتحسين دخله لتوقعه أياماً أسوأ قادمة، بحث إمكانية استصلاح أرض زراعية ورثها عن جدّه، بعد أن عجز عن بيعها بسبب وعورة الطريق إليها، وتحولها مع الوقت إلى أرض حراجية، قبل أن يفاجأ بأن تكاليف تنظيف الأرض من الحجارة والنباتات المضرة تبلغ نحو 12 مليون ليرة سورية، بسبب ارتفاع تكاليف الوقود اللازم لتشغيل الجرار الزراعي، ما دفعه إلى إلغاء الفكرة.

تقول أم رغد بحرقة: «أسعار الوقود تخنقنا، وهي نفسها تمنع عنا الوصول إلى حل ما يساعدنا، وكأننا نغرق في مستنقع لا توجد فيه إلا بقعة مازوت لا يمكننا التمسك بها لإنقاذ أنفسنا»!

المصدر.

Prev Post
كوّة نور من السويداء.. مثقّفون يتحدّثون عن انتفاضة المدينة السورية
Next Post
منحة الحكومة الفرنسية (Eiffel) 2024

Application for registration on Rawabet

X