Add Listing Sign In

مأسسة الحراك المدني في المنفى: الضرورة، وتطوير الكفاءة المهنية، والفضاء الذاتي في حالة الناشطات السوريات في برلين

Cairo Institute for Human Rights Studies (CIHRS)

مأسسة الحراك المدني في المنفى: الضرورة، وتطوير الكفاءة المهنية، والفضاء الذاتي في حالة الناشطات السوريات في برلين

إعداد: هبة الحامض

جهة النشر: Cairo Institute for Human Rights Studies (CIHRS)

خلاصة

يهدف هذا المقال لتحليل ديناميات مأسسة الحراك المدني (NGOisation) في سياق التعبئة السياسية للنساء في المنفى. ويركز المقال على الناشطات السوريات اللاتي نزحن إلى برلين بعد 2011 نتيجة الأزمة السورية. واستنادًا إلى اثنين وعشرين مقابلة، شبه مقننة، تم إجراؤها بالإضافة إلى إجراء ملاحظات بالمشاركة، يحلل هذا المقال الديناميات المهنية المرتبطة بالتعبئة السياسية على المستويين الفردي والمؤسسي؛ بهدف فهم كيف يمكن أن يؤثر هذا الميل نحو الاحتراف (professionalization) على عمل الناشطات، بينما يفحص كذلك الأدوار التي قد يلعبها للناشطات السوريات وللحركة بشكل عام. ويوضح المقال كيف تلعب ظاهرة مأسسة الحراك المدني دورًا مختلفًا وأكثر تعقيدًا في سياق المنفى، لا سيما من خلال الحيلولة دون انفصال الناشطات الكامل عن السياق السوري. فمن خلال أنواع مختلفة من الأنشطة مثل المناصرة والبحث وتقديم الخدمات، تُمكِّن المنظمات غير الحكومية الناشطات من البقاء كجزء من التعبئة من أجل حقوق الشعب السوري، مع توفير مساحة للتضامن والدعم من خلال تفاعلاتهن الشخصية والعاطفية مع النساء السوريات الأخريات.

مقدمة

في عام 2015، شهدت أوروبا ما يسمى بأزمة الهجرة مع وصول العديد من اللاجئين، ومعظمهم من السوريين. وكان من بين اللاجئين السوريين نشطاء سياسيون شاركوا في الثورة السورية التي اندلعت عام 2011،[1] والتي بدأت كانتفاضة سلمية تم قمعها بعنف من قبل نظام الأسد. ومن هنا أدت عسكرة الثورة وأسلمتها، بالإضافة إلى تدويل ما أصبح صراعًا، لعرقلة تعبئة النشطاء، وخاصة النساء في سوريا. وحجمت عسكرة الثورة السورية وتصاعد العنف وجود المرأة في المجال العام. كما أدى صعود الإسلاميين لمفاقمة الوضع السيء للناشطات. واستهدفت المجموعات الإسلامية وكذلك نظام الأسد النشطاء العلمانيين، بما في ذلك النساء، واستبعدتهم من عملية صنع القرار،[2] بينما واجهت الناشطات بشكل عام قيودًا مشددة على أساس نوعهن الاجتماعي.[3] وعانت النساء في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة من قيود تتعلق بالأعراف الدينية والاجتماعية، فرضتها الجماعات الإسلامية. ولعب هذا القمع دورًا مهمًا في تنامي النزوح الجماعي وهجرة الناشطات السوريات.

واستضافت ألمانيا وحدها 789.465 سوريًا من بينهم 323.640 امرأة سورية، ما يجعلها الدولة التي تضم النسبة الأكبر من اللاجئين السوريين في أوروبا.[4] ويعيش العديد من النشطاء السوريين في ألمانيا اليوم، خاصة في برلين، حيث يوجد 39.118 سوريًا يمثلون 4٪ من السكان السوريين في ألمانيا. من بينهم 15.505 امرأة سورية، أي ما يعادل 40٪ من سكان برلين السوريين.[5]

وتشير الجريدة السويسرية Neue Zürcher Zeitung إلى برلين باعتبارها «العاصمة السرية للمعارضة السورية».[6] إذ تم إنشاء العديد من المنظمات المدنية، إلى جانب العديد من الفعاليات التي تقام بانتظام. ويناصر النشطاء قضيتهم ويقدمون مجموعة متنوعة من الخدمات للاجئين السوريين. وخلقت هذه الديناميكيات ما يعرفه ستيفان دوفوا بأنه مساحة «exopolitie» أو النضال من المنفى، وهي مساحة مُسيَّسة في البلد المضيف، تتميز بـ «السيولة السياسية»، وهو تموضع متعلق بالنظام الحاكم والولاء لبلد الميلاد. في هذه المساحة، تقام الأنشطة السياسية عن بعد، حيث يعارض المجتمع السوري النظام القائم في الوطن الأم.[7]

تهم هذه الديناميات أيضًا الناشطات السوريات، اللاتي تمتعن بـ«فرصة لإظهار قوتهن والظهور كقائدات في الثورة».[8] وتم فتح المجال أمامهن ليكن حاضرات في المجال العام جنبًا إلى جنب مع الرجال، متحديات المعايير الجندرية السائدة والمقبولة على نطاق واسع بأن النساء ينتمين إلى المجال الخاص.[9] بالتالي فإن النساء لم تَثرن فقط ضد نظام بشار الأسد، بل أيضًا ضد «الإدراك المحدود لدورهن في مجتمع محافظ». لقد أدركن أن لديهن «دورًا يلعبنه يتجاوز المنزل، ويتجاوز الحياة المنزلية».[10] وتعزز هذا التغيير في الأدوار الجندرية من خلال النزوح، الذي أدى لممارسة المرأة السورية مسئوليات جديدة والحصول على أدوات جديدة، لا سيما في ظل غياب الرجال، الذين كان يُنظر إليهم تقليديًا في سوريا على أنهم المعيلون الوحيدون.[11] وكما بينت أوموت أوزكاليلي، أصبح النزوح بالنسبة لبعض النساء السوريات في مدينة غازي عنتاب «تجربة تحويلية للثورة الشخصية والتحرر أو القوة» تطمح من خلالها النساء لمستقبل أفضل في البلد المضيف أو للوطن الأم.[12]

عندما يتعلق الأمر بالتعبئة في المنفى، يمكن للناشطات أن يحافظن على نشاطهن خارج حدود وطنهن الأم، لكنهن يضطررن للنضال على مستويين: يتعلق الأول بالنضال الأساسي من أجل المعارضة السياسية ضد النظام، بينما يشير الثاني للنضال من أجل حقوقهن كنساء ومشاركتهن السياسية داخل الحركة المعارضة التي ينتمين إليها.[13] تدرس نادية س. العلي ونيكولا برات دور المغتربين في الصراع وصنع السلام من منظور جندري وعلاقات القوة في سياق الحرب وصنع السلام. ويوضح عملهن كيف أن «النوع الاجتماعي يشكل أحد عوامل هيكلة الوكالة والتعبئة» أثناء تكوين الشتات.[14] كما قد «تتحدى المرأة الأيديولوجيات والعلاقات الجندرية التقليدية، وبالتالي تزيد من حشدها السياسي».[15] هذا صحيح بشكل خاص عندما يعشن في بلد «أيديولوجياته وعلاقاته الجندرية أكثر ليبرالية وتقدمية بشكل كبير».[16]

وتنشط النساء في المنفى بطرق مختلفة، بما في ذلك من أجل حقوقهن[17] ولمجتمعهن[18] وبلدهن الأصلي. وأنا أهدف في هذه الدراسة لفحص كيفية توجيه النساء السوريات، كلاجئات ومهاجرات، لنشاطهن نحو بلدهن الأصلي، ومجتمعهن في برلين. وتشكل الناشطات جزءً مهمًا من الحشد في المنفى؛ وذلك من خلال العديد من الحركات والمنظمات التي تقودها النساء، بما في ذلك المنظمات النسوية التي انطلقت في برلين، ومن خلال الحركات العابرة للحدود. ويتم هذا الحشد بشكل أساسي من خلال المنظمات غير الحكومية، مما يؤدي إلى «مأسسة الحراك المدني»، وهو مصطلح يستخدم لوصف ديناميات النشاط الذي يحدث في سياق المنظمات غير الحكومية، والذي يفرض مستوى معينًا من المهنية والعقلانية الإدارية.

منذ التسعينيات، شهد العالم توسعًا للمجتمع المدني وانتشارًا للمنظمات غير الحكومية،[19] وهو اتجاه أوضحه العديد من الباحثين. وتم الترويج للمنظمات غير الحكومية كجهات فاعلة حيوية في المجتمع المدني وكبديل للدولة المشلولة غير القادرة على التعامل مع السياسات الاقتصادية النيوليبرالية.[20] وبالتالي، فإن تطور المجتمع المدني وكذلك تطور المنظمات غير الحكومية متشابكان إلى حد كبير.[21] وشهدت بلدان الجنوب ما يسمى بـ«ازدهار المنظمات غير الحكومية» الممولة من بلدان الشمال. وهيمنت هذه المنظمات غير الحكومية على الحركات الاجتماعية التحررية، بما في ذلك الحركات النسائية.[22]

على سبيل المثال، خضعت الحركة النسوية في أمريكا اللاتينية لعملية مأسسة الحراك المدني، قادت نضال النساء من خلالها المنظمات غير الحكومية، والتي تختلف عن الحركات الاجتماعية أو المجموعات الشعبية. وتتميز المنظمات غير الحكومية بدرجة عالية من الاحترافية والاعتماد على الجهات المانحة.[23] وبالتالي تحول نضال النساء من حركة واسعة النطاق إلى منظمات مهنية أصغر، كما تصف سابين لانغ المنظمات غير الحكومية النسوية في ألمانيا.[24] وتوضح إصلاح جاد تحولًا مشابهًا شهدته الحركات الاجتماعية النسائية في الشرق الأوسط؛ بسبب تراجع الدولة وعدم قدرتها على تقديم الخدمات، بالتوازي مع رغبة المجتمع الدولي في دعم المجتمع المدني من خلال المنظمات غير الحكومية. ووفقًا لإصلاح جاد، تختلف المنظمات غير الحكومية عن المجموعات القاعدية النشطة قبل التسعينيات لأن المنظمات غير الحكومية لا تمتلك «قاعدة شعبية كبيرة» ولا «أدوات محلية».[25]

لكن العديد من الكُتّاب الآخرين يؤكدون أن المنظمات غير الحكومية لعبت دورًا مهمًا في الشرق الأوسط، لا سيما فيما يتعلق بالسياسات والتشريع، قبل عام 2011 في ظل الأنظمة الاستبدادية. ويشددون على دور المنظمات غير الحكومية في «الضغط على الحكومات لتحمل المسئولية، والالتزام بسيادة القانون، والالتزام بالمبادئ العامة للحكم الرشيد».[26] وكانت المنظمات غير الحكومية التي تقودها النساء، والتي تمثل طيفًا غير متجانس من الظروف المحلية والمطالب المتنوعة في الشرق الأوسط،[27] جزءً من ديناميات المقاومة في الشرق الأوسط؛ فيما يتعلق بدورها في تشكيل مقترحات وقوانين ومؤسسات جديدة.[28] وتعتبر المنظمات غير الحكومية التي تقودها النساء جهات فاعلة رئيسية في زيادة إدراك تواجد النساء في المجال العام، وتمثل شكلًا من أشكال «المشاركة الاجتماعية» و«التعبير التنظيمي للحركة النسائية».[29] توضح نادين سيكا كيف ساهم ظهور المنظمات غير الحكومية، التي تعمل تحت سيطرة النظام وتحتج عليه لاحقًا، في مصر قبل ثورة 2011، في نضال النساء من أجل المساواة في الحقوق وحصول المرأة على التعليم العالي.[30] وحتى في سياقات أخرى، مثل أمريكا اللاتينية مثلًا، وفقًا لألفاريز، الذي انتقد «ازدهار المنظمات غير الحكومية» في التسعينيات،[31] يجب تنسيب تأثيرات المنظمات غير الحكومية، مع التأكيد على دور المنظمات غير الحكومية في استدامة التعبئة والتأثير على صنع السياسات.[32]

في سوريا، شكّل المجتمع المدني، كمعارض للدولة، دينامية ظهرت في بداية الانتفاضة. فقبل عام 2011، عمد نظام بشار الأسد، الذي يُعتبر أحد «الأنظمة الأكثر استبدادًا في العالم العربي»،[33] لـ«نزع أحشاء أي شكل من أشكال المجتمع المدني المستقل أو المعارضة السياسية».[34] ورغم وجود العديد من المبادرات والمنظمات غير الحكومية منذ عام 2001، إلا أن معظمها كانت بقيادة أسماء الأسد، زوجة بشار الأسد. وكانت هذه واحدة من العديد من استراتيجيات «التطوير الاستبدادي» التي وظّفها نظام الأسد لإظهار نفسه بشكل ديمقراطي؛ لتجنب الضغط الدولي.[35] وكانت أسماء الأسد الراعية الرسمية للعديد من المنظمات غير الحكومية لتمكين النساء. إلا أن هذه المنظمات افتقرت لأي استقلال سياسي، وكانت تعمل تحت وصاية النظام، ما يحد من نطاق المشاركة فقط لمجرد «تقديم الخدمات، والتعليم، والتدريب، والرياضة، وتنمية الشباب، وغيرها من المجالات التي يُنظر إليها على أنها غير سياسية وبالتالي لا تمثل تهديدًا».[36] في غضون ذلك، قمع نظام الأسد وقضى على أي تنظيمات وأحزاب ونقابات مستقلة قد تتحدى سلطته، وتحاول إحداث تغيير فعلي في الوضع الاجتماعي أو السياسي بشكل عام، ووضع النساء بشكل خاص.[37]

منذ عام 2011، انتشرت المنظمات غير الحكومية المناهضة لنظام الأسد بشكل متزايد، خارج سوريا وداخلها، لا سيما في المناطق التي لم تعد تسيطر عليها الدولة. واضطرت العديد من الحركات الاجتماعية المحلية، كما لاحظت رنا خلف، «على التسجيل كمنظمات غير حكومية» من أجل التكيف مع موجة «إبراز» المجتمع المدني و«جذب الدعم المالي والتقني الأجنبي».[38]

شهد القطاع الإنساني في سوريا توسعًا بالتوازي مع ارتفاع الحالات التي تحتاج استجابة فورية والاحتياجات الملحة في جميع أنحاء البلاد. ووفقًا لما ذكره فيليب ريفمان، فقد سيطرت المنظمات غير الحكومية على القطاع الإنساني العالمي منذ عام 1965. وساهمت المنظمات غير الحكومية، مع الوكالات العامة الأخرى، في إعادة تنظيم النظام الإنساني العالمي إلى «نظام مساعدات دولية».[39] ودفع تدهور الأوضاع المعيشية والحاجة الماسة للمساعدات الإنسانية في سوريا، الناشطين إلى تأسيس منظمات غير حكومية، أو الانضمام إليها، كي يصبحوا بدورهم جزءً من نظام المساعدات الدولية، ولتمكينهم من الاستجابة بشكل أفضل لحاجة البلاد لزيادة فرص العمل وتطبيق إدارة مالية فعالة. وتوسعت مأسسة الحراك المدني تدريجيًا لتشمل مجالات مختلفة، ما أدى لتطوير المجتمع المدني السوري، وجذب الناشطين السوريين كموظفين.[40]

في سياق المنفى تصبح ظاهرة مأسسة الحراك المدني أكثر وضوحًا، كما يشرح ذلك ليو فورن؛ إذ يحول النشطاء السوريون في لبنان نشاطهم السياسي إلى مشاركة إنسانية، كنوع من الوكالة التي تساعدهم في التغلب على «مشقة المنفى».[41] لكن الحد الفاصل بين المشاركة الإنسانية والنشاط السياسي غير واضح، كما أوضحت ذلك جوانا سيميان وباسكال دوفين. إذ أن المشاركة الإنسانية لا تُترجم إلى قطيعة كاملة مع المجال السياسي أو كمعارضة لفشل السياسة.[42] علاوةً على ذلك، يمكن للنقاش حول السياسة و القطاع الإنساني أن يرتبط أيضًا بإضفاء الطابع المؤسسي والمهني على النظام؛ إذ يتبع القطاع الإنساني، الذي يتمحور حول المنظمات غير الحكومية، «العقلانية الإدارية»: الاحتراف والمأسسة التي يفرضها المانحون ويطلبها الشركاء المحليون.[43] وفي هذا الصدد ترى إصلاح جاد أن الميل لإضفاء الطابع المؤسسي والمهني على النشاط قد يؤدي لتحويل «قضية للتغيير الاجتماعي إلى مشروع بخطة وجدول زمني وميزانية ثابتة».[44]

لكن من الضروري تنسيب دينامية مأسسة الحراك المدني ودوره في التنمية السياسية والاجتماعية في سياقين؛ أولًا، في سياق الاستبداد، حيث يتم تقييد وسائل المعارضة الأخرى. وثانيًا، في سياق المنفى، حيثما يكون الناشطون بعيدين عن بلادهم وقواعدهم الاجتماعية، كما سيتضح من خلال هذه الدراسة. وتهدف هذه الورقة إلى دراسة ديناميات مأسسة الحراك المدني لحشد الناشطات السوريات في برلين، مع التركيز على الاحتراف على المستوى الفردي والتنظيمي، وتحليل كيفية تأثير الاحتراف على أنشطة المنظمات غير الحكومية السورية وإعادة تأطيرها.

المنهجية

في هذه الدراسة، أتبنى مقاربة السيرة الذاتية بناءً على 22 مقابلة شبه منظمة مع ناشطات سوريات يعشن في برلين. تم ذكر معظم المشاركات بأسماء مستعارة لأسباب تتعلق بالحماية والسرية. وحصلت على موافقة المشاركات بأسماء مستعارة وأسماء حقيقية، لاستخدام بياناتهن واقتباساتهن في هذه الدراسة المنشورة. لقد سهّل لي موقعي بصفتي «من المجموعة»،[45] كامرأة سورية كانت جزءً من الثورة السورية، الوصول إلى الميدان. لقد استخدمت لجمع العينة طريقة كرة الثلج، حيث اتصلت بالناشطات اللاتي أعرفهن وفي كل مرة التقي بواحدة منهن، كنت أطلب منها تقديمي إلى ناشطات أخريات تعرفهن. أجريت بعض هذه المقابلات وجهًا لوجه في برلين، وأخرى عبر برنامج زووم، واستغرقت المقابلات ساعتين في المتوسط. وتراوحت أعمار من قابلتهن بين ثلاثين وخمسة وستين عامًا. وتأتي أغلبيتهن من وسط اجتماعي غير تقليدي، حيث يكون استقلالهن وحرية تنقلهن كنساء أمورًا متاحة نسبيًا من جانب أسرهن. تنتمي الناشطات إلى الطبقة الوسطى أو الطبقة الوسطى العليا، وهن ينتمين أو أمضين معظم وقتهن في المدن الكبرى في سوريا. ويلعب هذا العامل دورًا مهمًا في تشكيل الأدوار الجندرية لدى هؤلاء المشاركات؛ إذ لا يتم التضيق بالمعايير الجندرية التقليدية بالصرامة نفسها في المدن الكبرى في سوريا، لا سيما في الأحياء غير التقليدية أو غير المحافظة، وتكون الفرص المتعلقة بالتعليم والثقافة والمشاركة في سوق العمل أكثر تنوعًا بالنسبة للنساء. جميع المشاركات حاصلات على شهادة جامعية كحد أدنى من المستوى التعليمي، إحداهن حاصلة على درجة الدكتوراه في العلوم الطبيعية، وبعضهن أنهت دراستها في الجامعات الألمانية. وتتحدث معظمهن اللغة الإنجليزية بطلاقة، وخاصة الأصغر سنًا. وباستثناء اثنتين، ليس لدى المشاركات انتماء سياسي لأي حزب سياسي.

تم جمع جزء كبير من بياناتي من خلال أسلوب الملاحظة بالمشاركة في سياق ورش العمل التي نظمتها المنظمات النسوية. تم عقد جميع ورش العمل عبر الإنترنت، رغم أنني حضرت إحداها شخصيًا خلال زيارتي الميدانية إلى برلين في صيف عام 2020. وحضر هذه الورشات ناشطات من برلين وناشطات من دول الجوار وناشطات لا تزلن في سوريا. وتناولت الورش قضايا النساء، مثل المعرفة النسوية والعنف الجنسي، وعقدن ورش كتابة حول المنفى من منظور نسوي.

دينامية الاحتراف في برلين: المستوى الفردي والتنظيمي

في السياق السوري، تم تطوير المجتمع المدني والقطاع الإنساني حول المنظمات غير الحكومية في المنفى، خاصةً بعد عام 2011. في هذه الدراسة، أشارت المشاركات إلى بداية الاحتراف خلال منفاهن الأول إلى البلدان المجاورة، خاصةً في القطاع الإنساني في مخيمات اللاجئين. ورغم أنه من الواضح، من البيانات التي تم جمعها، أن المنفى يلعب دورًا رئيسيًا في تعزيز الاحتراف بين الناشطات اللاتي كن «جميعًا متطوعات في سوريا»،[46] إلا أنه يجب أيضًا مراعاة عامل الوقت والتطور العام للمجتمع المدني حتى داخل سوريا.

في بداية الثورة، لم يكن مفهوم الدفع مقابل الأنشطة المتعلقة بالثورة مقبولًا لدى المشاركات، اللاتي اعتقدن أن تغيير النظام لن يستغرق وقتًا طويلًا. انتقلت معظم المشاركات من المناطق التي يسيطر عليها النظام إلى البلدان المجاورة بعد عامين أو ثلاثة أعوام على الأقل من بداية الانتفاضة. في ذلك الوقت، كان السياق السوري يشهد بالفعل ارتفاعًا في مأسسة الحراك المدني والاحتراف بين النشطاء، حتى داخل سوريا في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة. لقد مهد الانتقال إلى البلدان المجاورة، التي تعتبر بمثابة نقطة عبور لمنفى طويل في أوروبا، الطريق أمام المشاركات لتجربة الاحتراف الأولية. وكان الوضع الاجتماعي والاقتصادي الصعب وغير المواتي للسوريين والسوريات، الناجم عن الانتقال وفقدان وظائفهم في سوريا وما يصاحبه من تحديات في البلدان المضيفة المجاورة، عاملًا رئيسيًا في دينامية الاحتراف بين النشطاء والناشطات السوريين والسوريات. ساهمت هذه الظروف في عمل النشطاء والناشطات في المنظمات غير الحكومية السورية أو الدولية، وتمكينهم بشكل أفضل من الحفاظ على سبل عيشهم. سارة (اسم مستعار) تبلغ من العمر أربعين عامًا، وهي ناشطة سياسية شاركت في الحراك في سوريا. اضطرت سارة في عام 2013 للانتقال من سوريا إلى لبنان تحت ضغط من قوات الأمن. تحدثت عن تجربتها الأولى في الاحتراف: «المعيشة في لبنان مكلفة للغاية، والوضع الاقتصادي كان سيئًا، لذلك كنت بحاجة للحصول على المال لأتمكن من العيش هناك. من هنا بدأت الحكاية […] كانت هناك منظمات غير حكومية تتحصل على التمويل وتقدم رواتب منخفضة لأولئك الذين سهّلوا عملهم […] هكذا بدأ كل شيء».[47]

وبرغم أن هذه الظروف الصعبة لا توجد بالدرجة نفسها في برلين؛ إلا أنه يمكن مع ذلك ملاحظة اتجاه مأسسة الحراك المدني بين النشطاء والناشطات. فأغلب التعبئة تتم من خلال إطار عمل مأسسة الحراك المدني، وهو ما سنقوم بتسليط الضوء عليه، سواءً على المستوى الفردي أو التنظيمي من خلال هذه الدراسة.

المستوى الفردي: عوامل «الدفع» و«الشد» المتعلقة بالاحتراف

على عكس الوضع الموجود في البلدان المجاورة مثل لبنان وتركيا، فإن العوامل التي عززت اتجاه مأسسة الحراك المدني لا تتعلق فقط بالظروف الاجتماعية والاقتصادية الصعبة، ولكنها ترتبط أيضًا بالآثار السلبية التي يخلفها المنفى، كحدث تحويلي، على حياة النشطاء والناشطات، بما في ذلك حياتهم المهنية. فالعمل في منظمة غير حكومية هو أحد ديناميات حشد الموارد لمعالجة آثار المنفى كحدث تحويلي. فرغم عدم وجود قيود قانونية فيما يتعلق بالعمل في برلين، إلا أن الآثار السلبية للمنفى تعزز وضعية أولئك الذين يعملون في المنظمات غير الحكومية السورية على أولئك الذين يعملون في سوق العمل الألمانية، خاصةً في السنوات الأولى عندما لا يتحدثون بالضرورة الألمانية، وعندما يواجهون قيودًا فيما يتعلق بوضعهم القانوني وتصريح الإقامة.

يمكن دراسة دينامية التوظيف في المنظمات غير الحكومية السورية من خلال عوامل «الدفع» و«الجذب»، لاستعراض المصطلحات المتعلقة بالهجرة من إرنست جورج رافنشتاين.[48] عوامل الدفع مرتبطة بسوق العمل الألمانية، وبالنسبة للنشطاء المؤهلين تأهيلًا عاليًا وذوي التعليم الجيد، مثل المشاركات في هذه الدراسة، فإن كونك أجنبيًا في برلين ينطوي على عقبات متعددة في العثور على فرص عمل.

في الوقت نفسه، ترتبط عوامل الجذب ببيئة المنظمات غير الحكومية السورية التي طورت فيها الناشطات علاقات وتجارب في البلدان المجاورة فيما يتعلق بعملية اكتساب المهارات والخبرات. لذلك، أصبحن مؤهلات في هذا الميدان، والذي يتركز حول مجالات مثل إدارة المشاريع والعمل الإنساني والتقييم والرصد والتدريب. تُسهّل هذه الخبرة اندماجهن في المنظمات غير الحكومية السورية أو السورية الألمانية في برلين، مقارنةً بسوق العمل الألمانية التقليدية. وبالتالي، فإن العمل في منظمة غير حكومية يصبح نوعًا من تعبئة الموارد التي تتعامل مع آثار المنفى على الحياة المهنية.

في كثير من الحالات، تختلف المهارات المكتسبة اختلافًا كبيرًا عن التخصص الأصلي للناشطة في سوريا، إلا أن التجربة التي مرت بها خلال منفاها الأول قد مكنتها من اكتساب المهارات الأساسية اللازمة لتوظيفها من جانب المنظمات في برلين. ونتيجة لذلك، أصبح منفاهن الأول يلعب دور «عامل الجذب» نحو وسط المنظمات غير الحكومية. ويصبح التوظيف داخل هذه المنظمات غير الحكومية أكثر أهمية بالنسبة للناشطات اللاتي لم يطلبن اللجوء في ألمانيا، واللاتي حصلن بالتالي على تصريح إقامة للعمل أو الدراسة. إذ لا تتلقى هذه الناشطات أية مساعدات مالية من الدولة. لذلك، فإن العثور على وظيفة يعد ضرورةً ملحة بالنسبة لهن؛ وهي ضرورة قد تعيق تعلمهن للغة الألمانية واندماجهن في سوق العمل الألماني. وتوفر المنظمات غير الحكومية السورية للناشطات فرص عمل، مما يساعدهن على إيجاد مخرج من هذا المأزق، برغم تدني الرواتب وهشاشة الوظائف في المنظمات غير الحكومية السورية في برلين.

نايا (اسم مستعار) تبلغ من العمر ثمانية وثلاثين عامًا، وهي ناشطة نسوية من مدينة صغيرة في سوريا. عاشت نايا في دمشق وهي تنحدر من عائلة «منفتحة». شاركت في الثورة وانتقلت إلى ألمانيا عام 2016 كباحثة. تتحدث عن تجربتها في العثور على وظيفة وتوظيفها من جانب الجمعيات السورية: «لم أتمكن من العثور على وظيفة خلال الأشهر الستة الأولى. كنت هنا بتصريح إقامة من أجل البحث. بعد ذلك انتهى تاريخ صلاحية تصريحي ولم يكن لدي شيء. كانوا يمنحونني تصريح إقامة كل ثلاثة أشهر حتى أجد وظيفة. إنه [تصريح الإقامة] لا يوفر أي شيء، لا الأمان الاجتماعي ولا المال. لذلك بدأت العمل مع الجمعيات السورية في البداية. بدأت العمل كباحثة مستقلة مع ثلاث جمعيات. لقد كنت بحاجة إلى راتب».[49]

تعكس تجربة المشاركات في البحث عن عمل، في ظل قسوة الاحتياجات المالية الملحة، كيف تعمل المنظمات السورية غير الحكومية كحل عملي لآثار المنفى على الحياة المهنية. لذلك، فإن دينامية الدفع والجذب بين سوق العمل الألمانية وبيئة المنظمات غير الحكومية في المنفى ضرورية لفهم هذا التحليل الجزئي لموجة الاحتراف بين الناشطات ودينامية التوظيف لدى منظمة غير حكومية.

ورغم أن الاحتراف ظاهرة منتشرة بين الناشطين في المنفى، إلا أنه في حالة النشطاء السوريين في المنفى له جانبا أخر يتجسد في الشعور بالذنب. يمكن لعملك كموظف لدى منظمة سورية غير حكومية تعمل في سياق الثورة السورية، أن يولد شعورًا بالذنب. وقد تكون فكرة تقاضي النشطاء والناشطات رواتب مقابل عمل يهدف لخدمة مبادئ الثورة السورية، و/ أو خدمة الشعب السوري، مصدر قلق لبعض الناشطات والناشطين.[50] وتصف نايا هذه المسألة بأنها «معضلة بين موجة [مأسسة الحراك المدني] الذي يقتل التطوع من أجل القضية، والاحتياجات الاقتصادية للبلد ككل وليس فقط احتياجات الناشطات في المنفى [في إشارة إلى اتجاه مأسسة الحراك المدني داخل سوريا]”.[51]

وتشكل هذه المعضلة جزءً من الجدل السياسي الأوسع بين النشطاء السوريين، خاصةً النشطاء الذين بقوا في سوريا والنشطاء في الشتات، حول «معارضة الفنادق»، متهمين النشطاء الذين يعملون في منظمات غير حكومية بـ«كسب قوتهم على حساب دماء الشعب السوري».

كل ما سبق ذكره يُعقِّد أوضاع الناشطات في المنفى العاملات في المنظمات السورية غير الحكومية، وبالتالي فهن يتغلبن على هذه المعضلة من خلال آليتين أساسيتين. تتعلق الآلية الأولى بالتطوع «قليلًا» بالتوازي مع العمل مدفوع الأجر من أجل التخفيف من الشعور بالذنب. قد تختار الناشطات جمعية أخرى تتطوعن فيها، كما فعلت نايا مع إحدى المنظمات الثلاث التي كانت تعمل فيها. أما آلية المسايرة الثانية فتتمثل في العمل بجدية أكبر ولساعات أكثر مما تتطلبه الوظيفة. فمن خلال بذل جهد أكبر مما هو مطلوب، ذكرت المشاركات في الدراسة أنهن يعتبرن أنفسهن يخدمن الثورة السورية. وبالتالي فإنهن يطمسن الحدود بين التزامهن المهني والسياسي، ونتيجة لذلك، يكتسبن استقلالية عن الإطار المهني الذي يفرض العديد من القواعد، مثل تحديد ساعات الدوام والمهام. ويصبح الإفراط في العمل آلية تأقلم للتعويض عن شعورهن بالذنب ولتبرير أن يدفع لهن أجر. «آسيا» ناشطة سياسية شاركت في الاحتجاجات السلمية في سوريا. غادرت سوريا إلى دولة مجاورة وانتقلت أخيرًا إلى برلين. تعمل مع مجموعة سورية لمناصرة حقوق الإنسان. تتعامل مع عملها بهذه الطريقة: «التطوع يريحني كثيرًا. لا أعلم، ربما جزء منه هو تبرير ذاتي. ليس من السهل العمل مع منظمة […]؛ كثير من الناس ينظرون لي [بغرابة] لأنني أتقاضى أجرًا مقابل ذلك. ليس الأمر سهلًا، وأحيانًا أصل إلى لحظات أوشك فيها على الانهيار. أنت تعمل من أجل قضية وتكسب المال، ولكن في الوقت نفسه، من المؤكد أنني لا أتعامل مع هذه القضية مثل زملائي غير السوريين. من المؤكد أننا كسوريين نعطي الكثير، نعطي بقدر ما نستطيع. لم أتمكن مطلقًا من رؤية وظيفتي على أنها وظيفة من التاسعة إلى الخامسة؛ أشعر دائمًا بأنها قضية ملحة وأنه ينبغي أن أنهي الأشياء».[52]

للتغلب على مشاعر الذنب وتصور السوريين الآخرين عن وظيفتها، تبرر آسيا احترافها لنفسها من خلال الإصرار على أنها لا تتعامل مع مهنتها بالطريقة نفسها التي يتعامل بها زملاؤها. كل هذا يفسر ديناميكية الاحتراف على المستوى الجزئي المرتبطة بالناشطات أنفسهن. في الوقت نفسه، من المهم فهم الاحتراف على المستوى التنظيمي من خلال تسليط الضوء على المشاركة داخل المنظمة غير الحكومية وعملها.

المستوى المؤسسي: المعايير المهنية والمشاريع قصيرة المدى

في ألمانيا، تتمثل الخطوة الأولى لإنشاء منظمة غير حكومية في تسجيلها رسميًا بموجب القانون لدى محكمة محلية تسمى Amtsgericht. وبالتالي، فإن الاعتراف القانوني أو الرسمي هو سمة أساسية لأي منظمة غير حكومية.[53] ويتعلق هذا بمعظم المنظمات غير الحكومية الموجودة في برلين، بما في ذلك المنظمات عبر الوطنية التي لا تكون بالضرورة مسجلة في ألمانيا وقد يكون لها فقط فرع هناك. الاعتراف هنا لا يعني الاعتراف من جانب القانون فحسب، بل يعني أيضًا الاعتراف من جانب طيف من الشركاء المحليين والكيانات الدولية المهتمة بالقضية السورية.

إن إضفاء الطابع المؤسسي على المشاركة من خلال هيكل رسمي يتمثل في منظمة غير حكومية يُسهَّل تطوير قنوات الاتصال مع صانعي القرار والكيانات المتخصصة، الذين يشكلون بدورهم جزءً من نظام عالمي يدعم هذه المنظمات غير الحكومية ويعترف بها. لذا، تصبح مأسسة الحراك المدني في سياق المنفى إحدى ديناميات تعبئة الموارد التي تقتضيها المنظومة. تعزز تجارب الناشطات والناشطين مع صانعي القرار والهيئات الدولية أهمية المنظمات غير الحكومية حينما يتعلق الأمر بالاعتراف بالقضايا أو المطالب. كما تسهل المنظمات غير الحكومية الحصول على التمويل، وهو أمر ضروري للأنشطة التي تحدث في المنفى، والتي تم تحويلها مقارنةً بالمشاركة السياسية في البلد الأصلي. التمويل ضروري أيضًا لرواتب الموظفين، وتتطلب الأنشطة المختلفة للمنظمات غير الحكومية -مثل ورشات العمل والأبحاث والفعاليات والحملات- ميزانية محددة. وتستخدم الأموال عادةً لبناء قدرة المنظمة وتغطية تكلفة أنشطتها، كما أشارت العديد من الأشخاص اللاتي تمت مقابلتهن.[54]

على سبيل المثال، كان ممكنًا للناشطات قبل جائحة كوفيد-19 السفر من برلين إلى جنيف للإدلاء بشهادتهن في جلسات الأمم المتحدة. تتطلب هذه الرحلة ميزانية محددة لتغطية تكاليف السفر والإقامة التي لا تستطيع الناشطات تغطيتها بالضرورة. لذلك، حتى الحركات التي لا يتقاضى أفرادها أجورًا (مثل الناجيات والناجين وأسرهم التي تم حشدهم من أجل قضية الاحتجاز التعسفي) يجب أن تكون جزءً من هذه المنظومة، من أجل الاعتراف، ومن ثم تغطية تكلفة أنشطتهم. وطبقًا لمن عقدت معهن المقابلات، فإن الدفع مقابل الحشد للبحث عن أحد أفراد الأسرة المحتجزين يعد أمرًا غير مقبول. وبالتالي، فإن النشاط في قضية تهم النشطاء والناشطات شخصيًا يعيق اندماجهم في منظومة المنظمات غير الحكومية.

مع ذلك، لا تزال هذه الحركات تشكل جزءً من هذا المنظومة الشاملة للمنظمات غير الحكومية، وذلك من خلال منظمات غير حكومية أخرى تمارس أعمالًا ذات صلة. لا يتقاضى النشطاء في حركة العائلات من أجل الحرية[55] أي راتب مقابل تعبئتهم لأنهم يناضلون من أجل «أحبائهم» –بالإضافة إلى ذلك، فإن المنظمة غير مسجلة كمنظمة غير حكومية. لكن لديهم شراكات مع ثلاث منظمات تدير تمويلها وعلاقاتها وجميع القضايا الإدارية. فدوى محمود عضوة في حزب العمل الشيوعي. اعتقلت عام 1992 وسُجنت لمدة عامين في ظل نظام حافظ الأسد. كانت ناشطة سياسيًا إلى جانب زوجها حينما بدأت الثورة. اعتُقل زوجها وابنها في مطار دمشق حين عادا من الصين في عام 2012، لإجراء مفاوضات سياسية. انتقلت فدوى إلى برلين في عام 2015، حيث تعيش اليوم كلاجئة سياسية. بعد عامين من المناصرة الفردية لقضية الاحتجاز، شاركت في تأسيس حركة «عائلات من أجل الحرية» في عام 2017. وتوضح فدوى: «العمل في حركتنا تطوعي بالتأكيد. إنها قضية المعتقلين. ليس من الممكن الحصول على أموال؛ ونحن لم نسجل كمنظمة غير حكومية. لا نريد أن نكون جزءً من منظومة المنظمات غير الحكومية؛ تاريخ المنظمات غير الحكومية محبط […]. لكن ثلاث منظمات –«من أجل سوريا» و«دولتي» و«النساء الآن»– تمارس هذا العمل لصالحنا. أنها تغطي تكاليفنا؛ يتقدمون بطلب للحصول على أموال باسم الحركة […] لمشروع معين».[56]

ورغم أن هذه الحركات تحاول مقاومة ظاهرة مأسسة الحراك المدني، إلا أنها تشكل جزءً منها من خلال المنظمات الأخرى التي تلعب دورًا توجيهيًا في توفير نوع من الطابع المؤسساتي والتمويل، وكلاهما ضروري لتنفيذ الأنشطة المختلفة في المنفى. إذ يفرض كل الطابع المؤسسي والتمويل مستوىً معينًا من العقلانية الإدارية. وتجبر إدارة هذا التمويل المنظمات غير الحكومية على اتباع المعايير المهنية وخلق وظائف محددة في مؤسساتهم. للحصول على الأموال، تحتاج الناشطات إلى التقديم عن طريق كتابة اقتراح لمشروع. وفقًا للاقتراح، فإنهن يتلقين تمويلًا لفترة زمنية محددة وللمهام المذكورة في الاقتراح. في نهاية المشروع، يجب عليهن كتابة تقرير مالي يبرر جميع النفقات. وتستلزم هذه الخطوات منطق العقلانية الإدارية وتتطلب مناصب وظيفية محددة. تميل هذه المشاريع لأن تكون مصممة على المدى القصير وتركز على قضايا معينة، إذ يفضل المانحون، في كثير من الأحيان، تقديم مبالغ صغيرة من التمويل لمشاريع ذات مواضيع محددة.

وبالتالي، يأخذ كل اقتراح بعين الاعتبار الحاجة لتمويل أجزاء صغيرة من الحشد؛ على سبيل المثال، تغطية تكاليف الأنشطة قصيرة المدى مثل ورشة عمل أو حملة. يولد هذا المنطق ميلًا لتنفيذ المزيد من المشاريع من أجل التمكن من الحصول على المزيد من التمويل، والذي بإمكانه ضمان الاستمرارية المالية للمنظمة. وبالتالي، فإن منطق التمويل من خلال هذه المنظومة سيؤدي في حد ذاته إلى تحول في النضال. ويحدث هذا التحول لأن التمويل والأنشطة يعزز كل منهما الآخر. بعبارة أخرى، تحتاج الناشطات في المنفى إلى الأموال للقيام بأنشطة، والتمويل نفسه يولد ديناميكية من المشاريع قصيرة المدى التي تؤثر على هذه الأنشطة. بالإضافة إلى ذلك، قد تؤدي هذه الدينامية إلى المنافسة بين المنظمات بسبب نقص الموارد. خلال بحثي، يتم تداول هذه المعلومات بين الناشطات اللاتي تشكلن جزءً من هذا النظام. وتصف الناشطات وسط المنظمات غير الحكومية بأنه تنافسي ومتعب. ويستدعي هذا الجانب مأسسة الحراك المدني، والذي يرتبط بالقضايا المالية والتفاعل بين المنظمات، إلى معالجة في دراسة مستقبلية.

أوضحت العديد من الباحثات، بما في ذلك إصلاح، ولانغ وشاهيم وبراكاش المذكورات أعلاه، أن ظاهرة مأسسة الحراك المدني تقضي على الحركات الاجتماعية والعمل التطوعي، ما يؤدي إلى فقدان قاعدة شعبية كبيرة واستبدالها بعدد صغير من الموظفين المتقدمين للحصول على تمويل للمشروع. لكن في سياق المنفى، حيث فقدت الحركة الاجتماعية بالفعل قاعدتها الشعبية بسبب المسافة، ولديها أيضًا إمكانية أكبر لـ«الخروج» (اقتباس من مصطلحات ألبرت و. هيرشمان)،[57] أؤكد أن مأسسة الحراك المدني يمكن أن تكون بديلًا للحفاظ على المشاركة، ويمكن أن تلعب دورًا مختلفًا. إذ تمثل المنظمة غير الحكومية مساحة للتعبئة في سياق المنفى الذي يمكن أن تكون فيه إمكانية فك الارتباط أعلى مما هي عليه في بلد المنشأ، مما يوفر ساحة لمجموعة من الأنشطة والتخصصات مثل المناصرة وتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان والبحث وتوفير الخدمات. بتعبير أدق، وعلى المستوى الفردي، تحوُل المنظمات غير الحكومية دون «خروج» النشطاء والناشطات السوريين في المنفى تمامًا من النضال أو تركه، فهي تبقيهم على اتصال بالقضية السورية من خلال توفير فرص العمل ونسج روابط التضامن بينهم.

مأسسة الحراك المدني: الحيلولة دون الخروج الكامل والفضاء الذاتي

إعاقة الخروج الكامل والحفاظ على الارتباط

وفقًا للبيانات التي تم جمعها، يبدأ المهاجرون في المنفى حياتهم من جديد من الصفر. إن الانتقال إلى بلد أجنبي، خاصةً في سياق الحرب والنفي، له آثار سلبية وينطوي على أنواع فريدة من الخسارة. إنه «انفصال جبري» يفرضه القمع والقسوة، ما يسبب حالة من عدم التوازن تؤثر على جميع جوانب الحياة وتسبب تمزقًا عاطفيًا واجتماعيًا.[58] لذلك، فإن إمكانية «الخروج» من التعبئة أو النضال يمكن أن تكون أعلى في بلد المنفى منها في البلد الأم بسبب المسافة الجغرافية والعواقب الاجتماعية. لكن العثور على وظيفة في منظمة غير حكومية يمكن أن يحُول دون «الخروج» الكامل، ويعيد النشطاء إلى بيئة النضال في برلين.

قررت بعض الناشطات اللاتي قابلتهن الخروج من الثورة السورية أو الابتعاد عنها؛ من أجل إعطاء الأولوية لحياتهن، التي كانت بحاجة لإعادة بناء من الصفر، ومحاولة التقدم في البلد المضيف من حيث تعلم اللغة والدراسة. لكنهن وجدن أنفسهن في النهاية تعملن في منظمة سورية غير حكومية تركز على الثورة. رغم أن عملهن مختلف -من العمل مع المجتمع السوري المحلي، إلى المنظمات الدولية، إلى المجتمع المضيف، إلى العمل الذي يركز على سوريا نفسها- إلا أنهن في النهاية يخدمن القضية السورية بطريقة أو بأخرى. هن يحافظن على النضال على قيد الحياة في سياق تكون فيه الناشطات بعيدات عن القاعدة الشعبية على الأرض بسبب المسافة. أنا أعتقد أن المنفى نفسه يضع حدًا لمفاهيم القاعدة الشعبية الكبيرة والأدوات المحلية. لذلك، فإن الادعاء بأن الاحتراف يحول نضال النساء من حركة واسعة النطاق إلى منظمات مهنية صغيرة يجب تنسيبه في سياق النضال عن بعد. العمل في منظمة غير حكومية يعيق الناشطات، كما أوضحت نايا، من «الابتعاد عن الوضع السوري» من حيث الانخراط؛ بمعنى آخر، فهو يقلل من إمكانية الخروج الكامل.

جلنار أحمد ناشطة مدنية وصيدلانية شاركت في الاحتجاجات السلمية في سوريا ثم نشطت في الأعمال الإنسانية. انتقلت إلى تركيا عام 2013 ثم إلى ألمانيا عام 2015. في بداية منفاها، قررت جلنار التركيز على تعلم اللغة والدراسة. لكنها وجدت نفسها في عام 2017 تعمل في منظمة تدعى Impact. وتهدف هذه المنظمة لتمكين المجتمع المدني من أجل التغيير الديمقراطي، وذلك بإجراء البحوث وبناء القدرات التنظيمية. وينصب تركيز المنظمة الأساسي على المجتمع المدني السوري. وتشغل جلنار منصب مديرة قسم البحث والتوجيه والتقييم. وهو المجال نفسه الذي عملت فيه أثناء المنفى في تركيا، ولديها ثلاث سنوات من الخبرة المتراكمة. يجري فريق جلنار، ومقره برلين وسوريا، أبحاثًا حول المجتمع المدني السوري بهدف تقييم احتياجاته وتحدياته من أجل دعمه. ومن خلال وظيفتها، تساهم جلنار في دعم المجتمع المدني السوري، وتعمل أيضًا بشكل وثيق مع نشطاء من المنظمات الشريكة في سوريا وفي برلين. نتيجة لذلك، أصبحت جلنار أكثر انخراطًا في الوسط النضالي -فبالإضافة إلى حضور ورش العمل والفعاليات بسبب عملها- تحضر ورش العمل الأخرى بصفة طوعية. ورغم أنها لا تعتبر عملها نوعًا من المشاركة السياسية، إلا أنه يعيدها إلى السياق السوري والوسط النضالي، ما يسمح لها بالتعامل مع القضايا الموجودة في قلب الثورة السورية. أصبحت مهنتها مكرسة للقضية السياسية في سياق المنفى الذي لا تستطيع من خلاله الوصول المباشر إلى الميدان أو التعبئة الشعبية. ورغم أن جلنار تعتبر عملها مجرد مهنة، إلا أنه يخدم أيضًا، من نواحٍ أخرى، قضية الثورة السورية بشكل عام. بالتالي لم تعد الحدود بين النضال والمهنة واضحة بالنسبة لجلنار.

في حالات أخرى أيضًا، لا ترى الناشطات عملهن كمهنة فقط. هن ينظرن إليها بشكل مختلف، كما ذكرت آسيا أعلاه، من خلال بذل المزيد من الجهد كنوع من النضال؛ أو من خلال اعتباره واجبًا يجعلهن على اتصال بقاعدة شعبية في سوريا. وهو ما يعكس تداخلًا بين التوظيف والنضال. حتى المشاركات اللاتي لم تعملن في المنظمات السورية غير الحكومية حاولن تكريس عملهن لخدمة القضية. وينعكس التزامهن بالنضال في عملهن الذي يصبح جزءً من المقاومة في المنفى. ومن الأمثلة على هذه المقاومة المحاميات السوريات اللاتي تعملن في كيانات أوروبية في مجال العدالة عبر الوطنية، واللاتي تستهدفن النظام وتتعاونن مع الناجيات والناجين.

جمانة سيف محامية تبلغ من العمر واحد وخمسين عامًا، بدأت العمل كناشطة في مجال حقوق الإنسان في دمشق عام 2001، مع التركيز على السجناء السياسيين. نشأت جمانة وتعلمت في بيئة سياسية للغاية وانخرطت في الثورة السورية. وتعمل في برلين منذ عام 2017 كباحثة في المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان. تعمل جمانة مع فريق سوريا، وتركز على قضيتين قانونيتين. الأولى هي محاكمة الخطيب، التي بدأت في أبريل 2020، بمقاضاة مسئولين رفيعي المستوى في أجهزة المخابرات السورية على جرائم الاختفاء القسري والتعذيب. والثانية هي قضية اقترحت رفعها، إذ تقاضي المسئولين عن الجرائم القائمة على النوع الاجتماعي في مرافق الاحتجاز بعد تقديم شكوى من جانب سبع ناجيات إلى المدعي العام الاتحادي في كارلسروه في يونيو 2020. تتحدث جمانة عن وظيفتها قائلة: «يتمحور عملي حول قضيتنا والجرائم التي يرتكبها النظام […] عندما أعمل مع الناجيات، فهي في النهاية قضية حقوقية تستهدف فضح هذه الانتهاكات والجرائم».[59]

ترى جمانة أن جهودها في استهداف النظام والعمل مع الناجين والناجيات هو عمل من أجل القضية. إنه جزء من تعبئة الجاليات السورية المنفية في أوروبا للسعي لتحقيق العدالة الانتقالية، وهو بحد ذاته نوع من المشاركة السياسية. إذ يوجه النشطاء والناشطات نضالهم من خلال مهنهم داخل المنظمات غير الحكومية. لذلك، في سياق المنفى، حيثما فقدت الحركة الاجتماعية بالفعل قاعدتها الشعبية الكبيرة، يمكن للتنظيم غير الحكومي ممارسة دور مختلف في منع الخروج الكامل وتعزيز المشاركة في النضال. في الوقت نفسه، يمكن للانخراط في المنظمات غير الحكومية أن يلعب دورًا في توفير مساحة عاطفية وذاتية للتفاعل وروابط التضامن بين النشطاء والناشطات في المنفى. وتتعارض هذه المساحة مع الطريقة الذكورية التقليدية لفهم العقلانية الإدارية والاحتراف التي يفرضها مسار مأسسة الحراك المدني.

ورش عمل منظمات المجتمع المدني: مساحة ذاتية ومشاعرية للتضامن

رغم اعتبار المنظمات غير الحكومية عمومًا مساحات للعقلانية الإدارية والمعايير المهنية، لكن في حالة الناشطات في الشتات، يمكن للمنظمات غير الحكومية توفير مساحة ذاتية ومشاعرية للتفاعل بينهن. يمكن أن يعزز هذا الفضاء روابط التضامن ويقرب الناشطات اللاتي تعشن في بلدان مختلفة، بما في ذلك في سوريا. من الأنشطة التي تمت ملاحظتها من خلال هذه الدراسة كانت ورشة العمل النسائية. نظمت المنظمات غير الحكومية ورش عمل نسائية عقدت غالبيتها عبر زووم، باستثناء واحدة عقدت في برلين. تم الإعلان عن هذه الورشات على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي الخاصة بالمنظمات، واستهدفت النساء، خاصة الناشطات، اللواتي يعشن في دول مختلفة. وفقًا لذلك، يمكن اعتبار هذه الورش بمثابة مساحة عبر وطنية. عقدت الجلسات من جانب مدربات، وهدفت لزيادة الوعي حول قضايا المرأة المختلفة، مثل العنف الجنسي، والمعرفة النسوية، والاندماج. ورغم أن الورش، في بعض الحالات، استهدفت في المقام الأول توفير معرفة محددة؛ فقد انتهى بها الأمر أيضًا لتوفير مساحة نسوية مشاعرية وذاتية أو شخصية، والتي تتحدى المعايير التقليدية للاحتراف وتقرب الناشطات من بعضهن البعض من خلال ديناميتين.

ترتبط الدينامية الأولى بمشاركة الخبرات الشخصية. تبدأ ورشات العمل بعرض تقدمه المدربة سواء كان ناشطة أو أكاديمية أو كاتبة. بعد العرض، يُترك وقت للحضور للتفاعل وطرح الأسئلة والمشاركة. ورغم أن جزءًا من ردود الفعل هذه يأتي كإجابة مباشرة للعرض؛ إلا أن جانبًا مهمًا آخر لهذا الجزء من الورشة هو أنه أصبح يركز بشكل متزايد على قصص الحاضرات أنفسهن. إذ يحفز العرض ذكريات الناشطات، ويشجعهن على الحديث عن التجارب الشخصية ذات الصلة. يمكن الاطلاع على هذه القصص في ضوء الموضوعات التي تم تناولها في ورشة العمل، والتي تتعلق في معظمها بقضايا النساء، وبالتالي يمكن أن تبرز قصص عن معاناة النساء أو تحديات مثل القهر الاجتماعي والعنف. وتشكل المأساة السورية، إلى جانب الحرب وخسائرها، لا سيما النفي، مكونات أساسية في القصص المروية. إذ توفر أنشطة ورشة العمل مساحة يمكن للناشطات من خلالها التعبير عن أنفسهن وتحدي التجارب الصعبة التي تبنى حول المعاناة. يتم استحضار المشاعر التي تكون، في معظمها، مؤلمة ويمكن أن تنتهي بالدموع. وبالتالي تتم إعادة تشكيل ورشة العمل كمساحة تسمح للناشطات بأن تكن حاضرات كذوات عاطفية بإرهاقهن ومشاكلهن وألمهن. خلال هذا المسار، يمكنهن الابتعاد عن العقلية المهنية التي تم تشكيلها من خلال إطار عمل المنظمات غير الحكومية.

تعمل هذه الدينامية على تحويل المناقشات والتفاعلات داخل ورش العمل لنقاشات شخصية تهم المشاركة نفسها، حياتها كامرأة وابنة وأم وزوجة وناشطة بدلًا من كونها موظفة طغت عليها المشاريع والمهام الوظيفية والقواعد المهنية المحددة والمعايير والالتزامات. وبالتالي فإن ورش العمل هذه تمثل قطيعة عن المعايير المهنية التقليدية، بما في ذلك العقلانية الإدارية وتبدد الشخصية التي تفرضها المنظمات غير الحكومية كنظام. هذا النظام الذي تسميه جلنار بـ«نظام 1، 2، 3،… ليس لطيفًا، ولا قريبًا من الشخص».[60]

في يناير 2021، نظمت منظمة «النساء الآن من أجل التنمية» ورشة عمل لمدة خمسة أيام بعنوان «الخوض في المفاهيم والأدوات النسوية لإثراء الفكر والعمل النسوي السوري». قدّمت الورشة أكاديميتان وكاتبتان نسويتان وحضرتها حوالي عشرين امرأة، معظمهن ناشطات.[61] تم تصميم اليوم الثالث لمناقشة الكتابة النسوية، ونظمته نورا أمين، الروائية النسوية المصرية، وسمر يزبك، المعارضة السورية والكاتبة النسوية التي تعيش في باريس منذ عام 2012. بدأت كلتا المدربتين جلساتهما بتقديم كتابات نسوية ونضال الروائيات النسوية في «الأدب المحكوم بالأبوية». ووجهت يزبك سؤالًا للحاضرات: لماذا لا تكتبين؟،[62] ودعتهن للرد. ولَّد هذا السؤال مجموعة من القصص والتجارب الشخصية، ما أثار مشاعر قوية بين الحضور. سناء (اسم مستعار)، مشاركة تعيش في سوريا، شاركت تجربتها في الكتابة على النحو التالي: «أعادت هذه المناقشات ذكريات قديمة، وأشعر أنني أريد البكاء. بدأت الكتابة عندما كنت طفلة، عن أختي وصديقها. منعتهم عائلتي من الزواج […] في بداية الثورة كتبت عن والدي. آخر مرة كتبت فيها كانت أيضًا عنه -وفي الصباح، أحضروه كجثة، لذلك توقفت عن الكتابة بعد ذلك».[63]

لا تعكس قصة سناء فقط تجربتها في الكتابة عن مجتمع محافظ؛ بل جيشت عواطفها وخسائرها، ما أثار ألمها بفقدان والدها ورغبتها في الحداد. لقد مثلتها كابنة وذات عاطفية، ما أدى لتقليص المسافة بينها وبين الحاضرات الأخريات اللاتي أظهرن التضامن والدعم. الدينامية الثانية لهذه المساحة العاطفية والشخصية هي روابط التضامن التي تتشابك من خلال تبادل الخبرات. إن تبادل الخبرات أو تقاسمها يخلق «مساحة آمنة» للروح الجماعية بين الناشطات، بناءً على روابط التضامن. إنه مثال لتعبئة الموارد للتغلب على مشقة المنفى؛ فالاستماع إلى معاناة الأخريات والتعبير عن مشاعرهن يجعل الناشطات يشعرن بأنهن لسن وحدهن في كفاحهن وصعوبات العيش في المنفى. خلال مقابلتي مع نور (اسم مستعار) التي شاركت في ورشة العمل نفسها، توصلت لفهم مدى أهمية ورشة العمل لخلق هذه الروح الجماعية في سياق المنفى الذي تثقل فيه مشاعر الوحدة والغربة الناشطات. شاركت نور، وهي ناشطة سياسية ونسوية تبلغ من العمر أربعين عامًا، قصة حميمة خلال ورشة العمل: «شعرت أن [ورشة العمل] مكان آمن حيث يمكنني مشاركة قصة مع نساء أخريات حتى لا أشعر بالوحدة. لكيلا تشعر المرأة التي مرت بقصة مماثلة بالوحدة. كنساء، ما لم نسمع تجارب بعضنا البعض، سنشعر أننا وحدنا… غرباء».[64]

بالنسبة لنور، تنشأ هذه الروح الجماعية من معرفة أن هناك نساء أخريات قد يكون لديهن تجارب مماثلة لتجاربها. هذه المعرفة تخفف من صعوباتها الشخصية، لأنها تنظر إليها من منظور الألم الجماعي. بالإضافة إلى ذلك، يمكن تعزيز الروح الجماعية من خلال التعبير عن التضامن والدعم تجاه راوية القصة الشخصية. غالبًا ما تعبر الحاضرات لفظيًا عن تضامنهن، شخصيًا أو على دردشات زوم، موضحات أنهن متضامنات مع النساء اللواتي يروين قصصهن وأنهن موجودات لدعمهن. في ورشة العمل نفسها، عندما بدأت إحدى الحاضرات بالبكاء وهي تتذكر قصة صعبة، عبّرت حاضرات أخريات لها بإصرار أنها ليست وحدها في حزنها -قائلات على سبيل المثال، «دموعك غالية بالنسبة لنا»، أو مشجعات لها بقولهن «عزيزتي، أعطاك الله القوة». مثل هذه التعبيرات عن اللطف تبني جسور التضامن بين الناشطات اللاتي لم تتعرفن على بعضهن البعض بالضرورة قبل ورشة العمل. للتلخيص، تتبلور الروح الجماعية من خلال ثلاثة أفعال: الاستماع إلى قصص الأخريات، ورواية قصة عن الذات، وتلقي الدعم والتضامن. تؤدي هذه الإجراءات مجتمعة للتضامن والتشبيك بين الناشطات، والذي يستمر حتى بعد انتهاء ورشة العمل.

لا تقتصر جسور التضامن على التعبيرات اللفظية أو الكتابية خلال ورشة العمل، بل تتوسع لتشمل توفير المساعدة الجماعية إذا لزم الأمر. فبالتوازي مع حملته حول العنف ضد النساء، نظم اللوبي النسوي السوري،[65] ورشة عمل لمدة يومين حول العنف القائم على النوع الاجتماعي عبر زووم. قدمت الورشة ريما فليحان، وهي كاتبة سيناريوهات وصحفية وناشطة في مجال حقوق الإنسان، وحضرتها سبع عشرة سيدة. بدأت فليحان عرضها حول وضع النساء في سوريا، مسلطة الضوء على القوانين ذات الصلة، والسياسات، ومستوى العنف بحق النساء، والحلول المحتملة. من اللافت للنظر أنه خلال ورشة العمل هذه، لم تبد المشاركات ردود فعل كثيرة على العرض نفسه؛ وبدلًا من ذلك، كانت معظم مشاركة النساء حول تبادل الخبرات فيما يتعلق بالموضوعات ذات الصلة. إحدى القصص التي تمت مشاركتها كانت قصة بيان (اسم مستعار) التي كانت ضحية لفترة طويلة للعنف الأسري من جانب زوجها في سوريا. بعد الطلاق والسفر لدولة عربية أخرى للعيش مع شقيقها، عانت مرة أخرى من العنف الأسري، هذه المرة على يد شقيقها. بالإضافة إلى الحديث عن معاناتها، والتي اعتقدت أنه سيكون «مفيدًا»، خاصةً فيما يتعلق بـ «الدعم والتضامن» الذي شعرت به من الحاضرات الأخريات، تلقت بيان أيضًا دعمًا ماديًا. ففي ذلك الوقت، قررت فليحان اتخاذ إجراء من خلال الاتصال بالأصدقاء والمنظمات في البلد الذي تعيش فيه لتزويدها بالمساعدة اللازمة.[66]

في سياق ورش عمل المنظمات غير الحكومية، تتلقى الناشطات العديد من أشكال الدعم والمساعدة، مثل الدعم في العثور على عمل أو التعليم، بما في ذلك التسجيل للدراسة في الجامعات الألمانية. وبالإضافة إلى المساعدة المادية، يتم تلقي الدعم العاطفي والاجتماعي من جانب الناشطات اللائي يلتقين أو يجتمعن معًا بعد انتهاء ورشة العمل. وبذلك تساهم ورش العمل في التشبيك بين النساء ونسج روابط التضامن وتقديم الدعم بعد انتهاء الورشة رغم المسافة بين الحاضرات.

باختصار، توفر ورش العمل التي تنظمها المنظمات غير الحكومية مساحة شخصية وعاطفية للتضامن بين النساء، والتي تتناقض بشكل صارخ مع العقلانية الإدارية والمعايير المهنية التقليدية التي تفرضها المنظمات غير الحكومية على الناشطات. وتشكل روابط التضامن هذه تعبئة موارد تهدف للتغلب على التحديات والصعوبات التي يسببها المنفى باعتباره قطيعة في الحياة؛ هذا التضامن كشكل من أشكال تعبئة الموارد لا يوفر فقط الدعم العاطفي لمواجهة الوحدة والغربة التي غالبًا ما يشعر بها الإنسان في المنفى، ولكنه يوفر أيضًا دعمًا ماديًا لقضايا مثل العنف المنزلي والتعليم والتوظيف.

خاتمة

يعدّ حشد الناشطات السوريات في برلين تمثيلًا لموجة مأسسة الحراك المدني. بعبارة أخرى، تتم هذه التعبئة بشكل رئيسي من خلال المنظمات غير الحكومية. تناولت هذه الدراسة ظاهرة مأسسة الحراك المدني بأسلوب دقيق، واضعةً دينامياتها في سياق محدد وفريد، وهو سياق الناشطات السوريات في المنفى. وكشفت الدراسة عن مستوى معين من التعقيد المرتبط بالسياق، والذي أرى أنه لم يؤخذ في الاعتبار بشكل كاف من جانب العديد من الكتاب الذين انتقدوا -بطريقة عامة- اتجاه مأسسة الحراك المدني وتأثيراته على الحركات الاجتماعية في الشرق الأوسط.

بتعبير أوضح، بينت الدراسة أن مأسسة الحراك المدني أصبح ضروريًا في المنفى على المستويين الفردي والتنظيمي بسبب عوامل «الدفع» في سوق العمل الألماني وعوامل «الجذب» في مشهد المنظمات غير الحكومية على المستوى التنظيمي؛ هذه العوامل ناتجة عن الحاجة إلى الاعتراف، وإضفاء الطابع المؤسسي، وإدارة الأموال. وبالتالي، يُفرض مستوى معين من الاحتراف والعقلانية الإدارية على الناشطات العاملات في المنظمات غير الحكومية -والتي- كما تؤكد بعض الأكاديميات تساهم في رفع شرائح أصغر من الناشطات المنتميات إلى القاعدة الشعبية لحركة اجتماعية إلى مناصب مهنية متخصصة وذات رواتب، وبالتالي تضاؤل وإضعاف الحركة ككل.[67]

لكن في سياق المنفى، الذي يضع فيه البعد حد لتلك القاعدة الشعبية، وحيث تكون إمكانية فك الارتباط أعلى مما هي عليه في بلد المنشأ، يمكن للمنظمات غير الحكومية أن تمارس دورًا مختلفًا. أولًا، تعيق المنظمات «الخروج» الكامل من النضال من خلال توفير فرص عمل للناشطات ذات صلة ببلدهن الأصلي وقضيتهن الأصلية. فتحافظ هذه الوظائف على شعور الناشطات بالمشاركة وتخدم، بطرق متنوعة، مبادئ الثورة السورية. أيضًا توفر المنظمات غير الحكومية مساحة للتعبئة مع مجموعة من الأنشطة مثل المناصرة والبحث والعدالة الانتقالية وتقديم الخدمات، والتي تساهم في مشاركة الشتات السوري في القضية السياسية وعلى وجه الخصوص، في حشد النساء السوريات من أجل المساواة في الحقوق.

علاوةً على ذلك، توفر المنظمات غير الحكومية للناشطات مساحات للتجمع، تتميز بجوانب شخصية ومشاعرية، تتحدى الفهم الرجولي الصارم لكل من المجالين السياسي والمهني. إذ تقدم المنظمات غير الحكومية، من خلال تنظيم ورش العمل، مساحات ذاتية للتضامن والدعم والمساعدة، ما يخلق شبكة مستدامة بين النساء.

قدمت هذه الدراسة لمحة عامة عن ديناميات مأسسة الحراك المدني داخل الحركة الاجتماعية للنساء السوريات المنفيات في برلين. تشكل المنظمات غير الحكومية وأعضاؤها شبكات محددة من الناشطات في برلين. يمكن أن تساهم الدراسات المستقبلية في تعميق هذا الموضوع من خلال تحليل الديناميات الأخرى داخل هذه الشبكات من الناشطات والمنظمات غير الحكومية، وتسليط الضوء على قضايا مثل ديناميات التخصص والمنافسة والانقسام. يمكن أن تركز هذه الدراسات على التمويل ودور المانحين في دعم هذه المنظمات غير الحكومية وإذكاء المنافسة فيما بينها.

وأخيرًا، هناك موضوع مهم لمزيد من البحث وهو آليات التكيف التي اعتمدتها الناشطات السوريات ردًا على شعورهن بالذنب تجاه القضية الثورية ومصير الشعب السوري. هذا الشعور الذي ينشأ غالبًا في سياق المنفى، وفي إطار عملية الاحتراف التي ينطوي عليها الانخراط في المنظمات غير الحكومية. يمكن لمثل هذا البحث التركيز على التداعيات السلبية المحتملة للاحتراف، بما في ذلك الآثار النفسية مثل الاحتراق النفسي والعلاقات السامة بين الزملاء.

المصدر.

Prev Post
مشروع AFKAR LAB 4 لدعم أفكار المشاريع الريادية للأفراد او الفرق
Next Post
السوريون: شعبٌ مذبوح أم مكوّنات محرومة من هوياتها؟

Application for registration on Rawabet

X