إنشاء سجل Sign In

سوريون يستعيدون خريطة الغناء المغيّبة

Awan - أوان

سوريون يستعيدون خريطة الغناء المغيّبة

بقلم: خليل صويلح

جهة النشر: Awan – أوان

تراكمت فاتورة الخسائر الباهظة في تحطيم السلّم الموسيقي في سوريا، واقتحم مغنو الأعراس الشاشات، وباتت الأغنية الأصلية خارج القائمة. كأن فوضى الحرب خلخلت تضاريس الأغنية السورية، وتعميم ما هو سطحي ومبتذل.

بصرف النظر عن اكتشاف أول نوتة موسيقية سورية في أطلال مدينة أوغاريت الأثرية، تعود إلى نحو ثلاثة آلاف عام، أوائل خمسينيات القرن الماضي، إلا أن هذا الإرث العظيم يبدو منقطعًا عمّا آلت إليه الأغنية السورية في راهنها. فالاتكاء على معلومة من هذا النوع يفيد في تمجيد تاريخ آفل لا أكثر. ذلك أن وحشة الطريق وقلة الزاد، أطاحا ثقل الأغنية بتقشيرها من خصوصيتها البيئية. فلا أغنية سورية اليوم في الخطاب الرسمي، أو حتى في المزاج الشعبي، منذ أن عمل حزب “البعث” على إلغاء حدود الدولة الوطنية وإعلاء شأن النبرة القومية على حساب ما هو محلّي. وإذ بهذه الاغنية تتهاوى على دفعات، بمحو النوتة الأصلية، واستبدالها بأغاني الملاهي والكراجات وأصوات النوريات، فيما انطفأ الهتاف القومي تدريجيًا.

هكذا، تراكمت فاتورة الخسائر الباهظة في تحطيم السلّم الموسيقي. فالمسافة بين “يا مال الشام”، و”يا طيرة طيري يا حمامة” لأبي خليل القباني رائد المسرح الغنائي، أواخر القرن التاسع عشر، وآخر أغنية لسارية السواس أو علي الديك مثلًا، تنطوي على مفارقة مذهلة لجهة الشعبوية لا الشعبية.

في هذا المقام، سأستعيد ما رواه لي صحافي تلفزيوني كان يعد ريبورتاجًا مصوّرًا عن الغرفة التي كان محمد عبد الوهاب يقطنها في “فندق بلودان الكبير” كلما زار سوريا. ولأننا كنّا على موعد في المقهى، برّر لي سبب تأخره بأنه اضطر إلى الانتظار نحو ساعة كي تخلي سارية السواس الغرفة نفسها. قلت له مستنكرًا جهله المهني: كان عليك أن تستثمر هذه المفارقة التي لا تتكرّر بسهولة، وتقارن بين زمنين متضادين إلى حدود الفكاهة المرّة، لا أن تكتفي بتصوير الجدران!

بمثل هذه الشعبوية الفجّة، اقتحم مغنو الأعراس الشاشات بأقصى حالات الاعتداء على الذائقة، وباتت الأغنية الأصلية خارج القائمة، مثلما أمسى أصحاب الأصوات الطربية ضيوفًا عابرين على محطات الإذاعة والتلفزيون والميديا. فهذه الأخيرة رسمت خرائط جديدة لا تضع في حسبانها القدود الحلبية، أو الأغنية الشعبية السورية التي أكدت حضورها بأصوات رفيق شكري، وصباح فخري، وفهد بلان، وموفق بهجت، و مصطفى نصري، وفؤاد غازي، ومها الجابري، وسواهم.

اللافت أن الأغنية السورية  لم تحضر يومًا في الفضاء العام للسوريين، وذلك لمصلحة الأغاني العراقية والمصرية واللبنانية

بلى، لقد “تعب المشوار” بانطفاء حنجرة فؤاد غازي، هذا المعجون بالعتابا الجبلية، قبل أن تختطفه الملاهي الليلية وسهرات العسكر في رحلة صعود وأفول. وغاب فهد بلان بعد أن صدح “عالبال بعدك يا سهل حوران” ، ثم غاب الملحنون الكبار مثل سهيل عرفة، وعبد الفتاح سكر، وسمير حلمي. كأن فوضى الحرب خلخلت تضاريس الأغنية السورية، وتعميم ما هو سطحي ومبتذل بالاشتغال على “أورغازم الغريزة”، وتصدير الطبل إلى الواجهة بما يفيد تأجيج نشوة الدبكة أولًا.

لكن فوضى الحرب ذاتها، وفقدان السيطرة على البلاد لمصلحة اللامركزية المؤقتة، أتاحت اكتشاف أغانٍ أخرى كانت شبه مجهولة لجغرافيات أخرى أو ــــ على نحو أدقّ ــــ مهملة عن عمد. إذ زحفت أغنية الأطراف المهمشة نحو المركز بمزاج مختلف عمّا كرّسته المنابر الإعلامية الرسمية.

فلطالما بقيت أغاني الفرات والجزيرة السورية في الظل، ليكتشف الآخرون في البلاد نفسها، أن هناك أغنية بتوابل أخرى لجهة الإيقاع والصورة الشعرية، محمولة على لغات ولهجات سريانية، وكردية، وبدوية، وآشورية، نشأت بصَمت على ضفاف نهري الفرات والخابور، واختزنها زمن الكاسيت بتسجيلات بدائية لا أكثر. وهي تشتمل على ألوان من الغناء مثل” النايل، و السويحلي، والعتابة، و اللكاحي، و الموليا”.

وقد كان صعبًا أن تقتحم هذه الأصوات المنابر الرسمية، فاكتفى أصحابها بجغرافية ضيّقة. حتى أن عمر سليمان بزيّه الفلكلوري/ الجزراوي، اجتاح أوروبا لاحقًا في حفلات صاخبة، وكان أقصى حلمه قبلًا أن يغنّي في الأعراس المحليّة فحسب.

كأن السوريين اكتشفوا ثراء تراثهم الموسيقي بغتةً، بقوة الحنين ومقاومة الاقتلاع والتهجير والنفي القسر

واللافت أن الأغنية السورية عمومًا، لم تحضر يومًا في الفضاء العام للسوريين، وذلك لمصلحة الأغاني العراقية حينًا، والمصرية واللبنانية طورًا. إذ، تبعًا لمزاج الجغرافيات المناطقية، كانت تُستعاد أغاني فيروز، وأم كلثوم، والشيخ إمام، وحزمة من الأغاني العراقية، من دون أن تحضر أغنية سورية إلا في ما ندر.

وسوف تلتقط الفرق الغنائية الشبابية مثل “الصعاليك”، و”تكّات” وسواهما، المخزون التراثي السوري المهمل، وذلك بقصد تطويره وإعادة توزيعه واستثماره  بوصفه أرضًا بكرًا لم تُحرث قبلًا، بصرف النظر عن أصالة النسخة الجديدة، واعتراض بعضهم على هذه الموجة بذريعة تشويه الأصل، والهيمنة على تراث بيئة لا تخصهم بنوع من التعصب المناطقي. كأن السوريين اكتشفوا ثراء تراثهم الموسيقي بغتةً، بقوة الحنين ومقاومة الاقتلاع والتهجير والنفي القسري، فحملوا موسيقاهم كعلاج لشجن اللحظة ولندوب الأرواح المعطوبة. فالأغاني زوّادة المرتحل، أينما حلّ.

على المقلب الآخر، عمل بعض الموسيقيين والمغنين وفرق الكورال على أرشفة الأغنية السورية شمالًا وجنوبًا، غربًا وشرقًا، في متوالية غنائية تمزج الأنماط الغنائية في إطارٍ واحد، كما لو أن هؤلاء يلمّون شمل الأغنية ويخيطون بنول حرير تضاريس الخريطة الممزقة، على عكس ما فعله المتحاربون.

هكذا اكتشفت ميس حرب ثراء الأغنية الفراتية وأنجزت ألبومًا نوعيًا ينطوي على توثيق ألوان هذا الغناء، بعد أن أغلقت الدائرة على الموروث الغنائي  للجنوب. وفي السياق نفسه، تعمل سهير صالح على إعادة إحياء “الهجيني” الحوراني في مشروع متكامل. كما استقطب كورال “تناغم” بقيادة غادة حرب أبرز الأغاني التراثية السورية في هارموني واحد. 

المصدر.

المقالة السابقة
شمال شرق سوريا: استخدام المياه كسلاح خلال النزاع يُفاقم الأزمة الإنسانية ويعرض الهوية الثقافية وحياة المدنيين للخطر
المقالة التالية
دعوة: زمالة في “تقنيات الإعلام والتصميم” لمدة ثلاثة أشهر

Rawabet طلب التسجيل في منصة

X