إنشاء سجل Sign In

التعليم والتدوير: «كتابك الأبيض» لعامك الأسود!

صوت سوري

التعليم والتدوير: «كتابك الأبيض» لعامك الأسود!

جهة النشر: صوت سوري

باستثناء بعض التغييرات في ألوان اللباس المدرسي، لم تطرأ تبدلات جوهرية على تنظيم التعليم في سوريا ولا حتى إدارته، لكن إلزاميته امتدت لثلاث سنوات إضافية حتى نهاية التعليم الأساسي. وبموجب التمديد الذي نص عليه القانون 32 للعام 2002 بات التعليم مجانياً وإلزامياً حتى نهاية الصف التاسع، ما راكم أعباء إضافية على الاقتصاد تجلت تحدياتها الكبيرة مع بدء الحرب.

شكّل القانون المذكور محاولة لتغيير الطابع البعثي للتعليم الذي استمر قرابة أربعة عقود. بالمقارنة، كان التعليم خلال تلك الفترة عقائدياً وشبه عسكري ويقوم على ثلاث مراحل: ابتدائية فإعدادية ثم ثانوية. لكن إحدى أهم المعضلات السنوية التاريخية المرتبطة بالتعليم المدرسي كانت ولا تزال تأمين الكتاب. وحتى قبل العام 2002 كانت الكتب تتوافر في المدن الكبرى، ومراكز المحافظات وتتأخر في الوصول إلى باقي المدن والأرياف.

أما في السنوات الأخيرة، فباتت الكتب عملة نادرة زاد في مأساة غيابها عمليات التحديث المستمرة للمناهج. 

على امتداد هذا العام الدراسي الذي يشارف على الانتهاء، بقيت بعض الكتب مفقودةً، فلم يتمكن طلبة التعليم الأساسي من الحصول عليها حتى منتصف الفصل الثاني وسط العاصمة دمشق، فيما اعتمد زملاؤهم في مدن أخرى وكثير من الأرياف على عمليات تدوير الكتب القديمة. المشكلة كانت أعمق في التعليم الثانوي، إذ بقي بعض الكتب، وأهمها مادة علم الأحياء، مفقوداً من المستودعات حتى قبل شهر واحد من موعد امتحانات الثانوية العامة.

تقول مصادر مسؤولة في «المؤسسة العامة للمطبوعات المدرسية»، إن المشكلة لها عدة أسباب، يرتبط أولها بصعوبة رسم خريطة التوزع المكاني للطلاب، فالحرب زادت في عمليات الانتقال والترحال بين المناطق، وكانت الوزارة تدفع بالكتب المدرسية للمناطق التي تقع خارج سيطرة الحكومة، بينما ساهمت لاحقاً المصالحات بحركة سكانية عكسية.

السبب الثاني يعود إلى الأزمة الاقتصادية من غلاء المعيشة الذي تسبب في العام الدراسي 2022-2023 بتحوّل 40% من طلبة المدارس الخاصة إلى التعليم العام، لأن أقساط «الخاص» مرتفعة ولا قدرة لكثير من الأسر على تحملها.

يبلغ متوسط سعر نسخة الكتب الواحدة نحو 50 ألف ليرة ومتوسط الرواتب لا يتجاوز 120 ألفاً

يُضاف إلى الأقساط ارتفاع أسعار الوقود وقلة المخصصات، إلى جانب ارتفاع تكاليف الصيانة، ما حرم «المؤسسة» القدرة على تسيير ما تبقّى من مركباتها المهترئة لنقل الكتب بسرعة إلى المحافظات، وقد تدخّلت وزارة الدفاع و«أرسلت أسطولاً من الشاحنات تولّى نقل الكتب»، وفقاً للمصادر.
السبب الثالث يعود إلى تعديل المناهج الطموحة أكثر من اللازم، فمثلاً انتهى إعداد منهاج الإنكليزية قبل أيام من بداية العام الدراسي، وكانت الوزارة تضع في خطتها اختبار المنهاج في 9 محافظات، وهذا رقم كبير جداً مع صعوبة طباعة العدد الكافي من النسخ المطلوبة. 

رغم ذلك، تدخلت «جهات عليا» لمنح امتياز الطباعة لشركات خاصة محسوبة على دوائر السلطة الضيقة، لكن إجراءات التعاقد البيروقراطية ألقت بظلالها ولم يتمكن طلبة كثر من الحصول على الكتب في الوقت المناسب.

تأثير العقوبات

السبب الرابع وقد يكون أهم الأسباب، هو العقوبات التي أثّرت في استيراد الورق، وهنا تؤكد المصادر أن ضعف الموارد في البلاد جعلها عاجزة عن تأمين كامل الكتب المطلوبة لارتفاع سعر الورق أولاً، وتأثر المادة بالعقوبات. ولولا أن المملكة الأردنية ساعدت في تمرير شحنات من الورق لإسعاف القطاع التربوي في العام الماضي، ما كانت هناك إمكانية لتوفير ما أمكن توفيره من كتب مدرسية.

السبب المهم الآخر الذي لا يتجرأ أي مسؤول سوري على الاعتراف به هو غياب الإدارة الرشيدة عن أي قطاع خدمي، ويرتبط هذا بما صرّحت به المصادر المسؤولة عن أن «المؤسسة مضطرة للتحرك قبل أسابيع فقط من بدء العام الدراسي بناءً على أعداد الطلاب التي تأتيها من المدارس».

هنا الطامة الكبرى، فكيف لمؤسسات جامدة لا تتمتع بأي مرونة إنتاجية الاعتماد على بيانات لحظية في خطط تحركها، ولاسيما أن الوزارة سبق وأعلنت أن عدد الطلاب للعام الماضي وصل إلى 3.5 ملايين، أي أن هناك حاجة مؤكدة إلى ملايين النسخ من الكتب المدرسية؟!

أقرب الحلول

شهدت السنوت الماضية تراكم الطوابير على أبواب المؤسسات الخدمية المختلفة، ولم يكن هذا المشهد بعيداً عن قطاع التعليم، خاصةً أمام مستودعات الكتب. فالأسر التي اضطرت إلى التقنين في شراء الأساسيات من أجل توفير سعر دفتر وقلم لأبنائها، فوجئت مع بداية العام الدراسي بأزمة نقص الكتب، ليبدأ اللهاث خلف شخصيات مفتاحية قادرة على أن تؤمّن كتاباً من هذا المستودع أو ذاك!

يبلغ متوسط سعر نسخة الكتب الواحدة اليوم نحو 50000 ليرة سورية (نحو 6 دولارات أميركية ونصف، وفق سعر السوق الحالي 8500 للدولار الواحد) وهو مبلغ زهيد للغاية وفق هذه المقارنة. لكن المهانة الحقيقية التي يشعر بها المواطن عندما يقارن هذا الرقم براتبه الشهري الذي لا يتجاوز متوسطه 120000 ليرة (14,11 دولاراً فقط). ورغم مجانية الكتب، فإن خيار الشراء يصبح شبه إلزامي طالما لا يلوح موعد مضمون في الأفق للحصول على الكتب بطريقة نظامية.

تعود بنا الذاكرة إلى الزمن الماضي حين كنا نتوارث الكتب من الطلبة الأقدم فتُدوّر من عام إلى عام، وتُمنع الكتابة على الكتب المدرسية بغير القلم الرصاص، ليتمكن طلبة السنة التالية من محوها.

 أما «الحلم» الذي بالغت فيه خطط سابقة عملت على توفير مناهج إلكترونية فتحققه صعب للغاية في ظل انعدام القدرة على تملك أجهزة إلكترونية مناسبة من هواتف وغيرها، وسوء خدمة الإنترنت في البلاد، والارتفاع المتكرر لأسعار الاتصالات بمختلف أنواعها، فضلاً عن عدم توافر الكهرباء.

لا يهم كثيراً من الأسر السورية التحالف مع إيران أو روسيا، أو التقارب مع الدول العربية والجار التركي اللدود، بقدر ما يهمها قوت يومها، ولذلك تلجأ الأسر إلى شراء الكتب حالياً وقبل انتهاء العام الدراسي لحفظ ماء الوجه بدلاً من الوقوف في الطوابير الصيف القادم.

المصدر.

المقالة السابقة
تمكين: رؤى نقدية حول حقوق الإنسان
المقالة التالية
ما الذي قدمته الجامعات الجديدة في الشمال السوري؟

أضف تعليق

Your email is safe with us.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Rawabet طلب التسجيل في منصة

X