إنشاء سجل Sign In

البوح: رفاهيّة لا نملكها جميعاً ” الفتاة الأوفر حظًّا “

أؤمن أن المرة الأولى التي تلاحظ فيها الفتاة في عالمنا جنسها هي حين تُقمع ، تُصفع أو ربما تًقتل. “لأنك بنت” يصبح القمع مباح من رجل القبيلة وأمر ضروري للحفاظ على شرفه، كي لا تُلطخه أصوات ضحكاتنا أو ربما فستاناً قصيراً أو قرار لا يخص أحد سوانا نحن. فتجد العائلة مجتمعة لتتخذ القرار المناسب دون العودة لصاحبة القرار كأمر بديهي. لطالما أربكني الحديث عن قضايا النساء، فلا أستطيع ألا أسقط تلك القصص على حياتي، يصعب التجرّد من قضايانا عند الحديث عنها، نحن نكتب وهذه قضية أيضًا.البوح أساس كل قضية، لا يمكن التوقف عند أرقام الأمم المتحدة لعدد النساء اللواتي تعرضن للعنف أو القتل، كثيرات لم نعرف عنهن شيئاً، لم نسمع منهن بعد، كثيرات سُجلّت وفاتهن بخانة الطبيعي منه.  لذلك يمكن التوقف لقراءة الخبر ثم مضاعفة النسب وضربها في كل مرة  تم إسكاتنا ، ضربنا ، ترهيبنا ومنعنا عن الحياة، قد يبدو رقماً خيالياً لكم حينها، لكنني لا أجده أمراً لا يصدق أكثر من كوننا نتعرض لكل هذه فقط لأننا ولدنا نساء. 

البوح: رفاهيّة لا نملكها جميعاً

بعض النصوص تٌقرأ لمرة واحدة وبعض الأفلام لا يُحتمل مشاهدتها لأكثر من مرة وبعض اللحظات التي نمر بها ترافقنا إلى ما اللا نهاية نصطدم بوجودها رغم تجاهلنا المتواصل لها،رغم محاولاتنا المستمرة في طمرها  ثم في لحظة واحدة تطفو إلى السطح لتخبرنا  أنها السبب الأول وراء ما نواجهه وما نتجاهل البحث في جوفه، عن حادثة ، جريمة، لحظة ضبابية تم إقناعنا أنها هلوسات وكوابيس وهي في الواقع لحظة أسرت حياتنا،كل هذا تكشفه لحظة واحدة ، “لحظة البوح”.

أسبوعان وأنا أحاول كتابة هذا النص، منذ شاهدت الفيلم الأميركي “الفتاة الأوفر حظاً” وأنا لا أتوقف عن طرح  أسئلة جديدة، كلما حاولت الكتابة، كلما أجد نقطة لأبدأ منها يحاصرني سؤال جديد.  قضايانا معقدة إلى هذا الحد، لا يمكن أن يحلها “ماستر سين” ولا فرض  مصطلحات جديدة في تصنيف معاناتنا.”ضحايا” كنا أم “ناجيات” هذا لن يوقف سيل معاناتنا. 

وللغوص أكثر في المضمون، سيترتب عليَ سرد بعض أحداث الفيلم باعتباره الملهم الأول لأسئلتي الآتية. فيلم “الفتاة الأوفر حظاً ” الذي عرضته شبكة نتفلكس والذي نُشرت قصته في كتاب يحمل نفس العنوان لكاتبته جيسيكا نول. تدور أحداث الفيلم حول  آني فينالي وهي كاتبة تشغل منصبًا مرغوبًا جدًا في مجلة لامعة، ولديها حياة  مثالية وستقيم عمّا قريب حفل زفاف حالم في جزيرة “نانتوكيت”. إلا أنّها تُجبَر على مواجهة حقيقة مظلمة تُهدّد بالكشف عن حياتها التي أتقنت تزييفها، وذلك بعد تلقّيها دعوة من مُخرج فيلم جريمة وثائقي، لتروي جانبها من حادثة مروّعة وقعت لها في فترة مراهقتها في مدرسة “برادلي” المرموقة، بعد تعرضها لإغتصاب جماعي من قبل زملائها في المدرسة، ثم وقوع حادثة اطلاق نوع بعد أيام من جريمة الأغتصاب، ليُقتل إثنان من المعتدين عليها، وينجو الثالث ويصبح مُقعداً، كما أصبح بالتوازي ناشطا في مناهضة قضايا العنف والأسلحة، كونه. “ناجيا من حادثة إطلاق النار

سنوات عدة مرت منذ وقوع الحادثة، استمرت فيها آني بتزييف حياتها، بذلت مجهوداً لتصنع مكانة اجتماعية تحميها من أي عنف مستقبلي ،عاشت لسنوات مع اتهامات صرحت ضدها من قبل “الناجي/المعتدي” عن تورطها في حادثة إطلاق النار، ورغم صك براءتها منذ اللحظة الأولى ، التي تكمن في جريمة أخرى وقعت في ليلة سابقة، لم تستطع آني أن تصرح بما تعرضت له ، لسنوات ، ارتقت أن اللحظة المناسبة لذلك  عند حصولها على عرض عمل للكتابة في صحيفة نيويورك تايمز، أو عند الزواج من أحد المشهورين الذين يملكون مكانتهم الإجتماعية التي لا يتخطاها أحد “بهذا الخاتم من سيجرأ على عدم تصديقي”، اعتقدتْ آني أن هذا الزواج المرموق والعمل في أشهر المجلات عالمياً هو سبيلها لإنشاء حصانة اجتماعية تحميها لحظة البوح.

السؤال الأول؟

ماذا لو لم تحصل آني على فرصتها في العمل لنيويورك تايمز؟ هل كان نشر شهادتها سينسف إدعاءات المعتدي الذي يملك حصانة اجتماعية لكونه “ناجي” من حادثة أفقدته القدرة على السير، ثم توليه منصب المؤثر، من سيصدق الناس أكثر؟ أكثر الضحايا ينتظرن حصولهن على حاضنة اجتماعية قبل البوح. لكن ماذا لو لم تمتلك أي منا واحدة؟ هل يمكن أن تخرج الحقيقة من الظلمة؟ هناك حكايا كثيرة لم تخرج إلى النور بسبب الخوف من تداعيات البوح، لماذا يكلفنا البوح كل ذلك؟ ولماذا نخاف من ما قد تخلفه. في إحدى ورش العمل، سألت زميلة: “هل يمكن فضح فعل التحرش أو الاغتصاب بعد مرور سنوات عليه، مع ذكر أسماء المعتدين؟” أجاب المحاضر أنه لا يمكن ذكر الأسماء لأن ذلك سيعرضك للمُساءلة القانونية. الجواب منطقي؟ ربما، لكنه مجحفاً، بالنسبة لي ولكل من حملن معهن حوادث تحرش أو اعتداء جنسي ولم يتمكن من البوح بعد.

كما قالت لي إحدى الناجيات” من العنف الجنسي:”أن المعتدي كان أحد أفراد العائلة، لن يصدقني أحد، رغم تعرض أكثر من فتاة من عائلتي للتحرش من ذات الشخص، إلا أنه لا زال يحصل على الاحترام من الجميع، له هالة اجتماعية يستحيل تخطيها مهما حاولت، حتى رغم معرفتهم بسلوكه ذاك، لا أحد سيصدق أنه حاول الاعتداء علي وأنا في العاشرة.” هنا المُعتدي يمتلك رأس مال رمزي (سُلطة عائلية) وقف اعتداءه وراءها. كما في مسلسل “لاكاسا دي بابل” الاسباني، حيث آرتورو الذي أثبت قام باغتصاب آماندا تحت تأثير الحبوب، تحول فيما بعد إلى شخصية مؤثرة داعمة لحقوق المرأة، كونه أحد الناجين من عملية السطو المسلح، صنع لنفسه هالة إجتماعية لن تخرقها معاناة إمرأة . تماماً كما حدث لآني ، التي عاشت سنوات عديدة من حياته تتابع تصفيق الناس في الكونغرس لأحد مغتصبيها، لا شيء أسوأ من هؤلاء، وهذه قصص لا تنحصر في السينما والكتب، هذه معاناة سجلتها نساء في ذاكرتهن، ولم تحظين على رفاهية البوح بعد.

 إحدى المرات سألتني معالجتي النفسية، في الجلسة الثالثة التي حددتها هي لتناول حوادث التحرش والاعتداءات التي أحملها في ذاكرتي ، الجلسة الثالثة التي تهربت منها كما سابقاتها، سألتني عن سبب تهربي من فتح هذا الملف، أنا لا أستطيع البوح عمّا حدث، لا أستطيع سماع صوتي وأنا أروي ما حدث، هذا بمثابة اعتراف مقيت  بأني صمتُّ عن أذيتي لسنوات وهذا مدمر بالنسبة لي أكثر من الحادثة بحد ذاتها، نحن نجلد أنفسنا أيضاَ. أسأل نفسي مراراً ، كيف  سيفيدني البوح إن كان لن يُعاقب أي منهم؟ لا أدري، في اليوم الذي قيل لي أنه يُمنع ذكر أسماء المتحرشين في العلن لاعتباره جريمة قدح وذم، جلست في غرفتي ودوّنت أسماءهم وكرّرتها حتى ملأت دفتراً كاملاً، ثم خرجت إلى الشارع ورميته تحت أقدام المارة، علّ أحدهم يقرأ تلك الأسماء ، بقي الدفتر مكانه ثم داسته القطط والسيارات ورماه عمال البلدية في اليوم السادس في القمامة دون أن يلتفت أحد إلي أنني دونت قائمة بمن دمروا حياتي. قررت أن أعيد فعل هذا الأمر مجدداً، لكن المرة المقبلة سأرميه في قريتي،حيث حدث كل هذا

دائما ما أفكر في من يحدد اللحظة التي يمكننا البوح فيها عما تعرضنا له، لحظة الصفر، وما تبعاتْ ما بعد الصفر. في غالب الأمر، يتم زجنا في غرف التحقيق في شكاوى القدح والذم بتهمة تلطيخ سمعة المعتدي، إذ لا قانون (بشقّيه السياسي والاجتماعي) يحمينا منذ اللحظة التي نتعرض فيها للاعتداء حتى نمتلك الشجاعة للبوح بما حدث. يدفع الضحايا ثمن صَمتهن طيلة حياتهن، ثم يدفعن ثمن البوح عبر إيلامهن وتحميلهن ذنب الصمت رغم عدم إتاحة أي خيار آخر. لذا دائما ما يبحث عليه ضحايا العنف الجنسي هو الحصانة الاجتماعية، ما يؤمن للضحية أمانها الاجتماعي.

وأسئلة أخرى؟

 في كل مرة يصدح صوت ناجية جديدة اسأل نفسي، متى ننجو نحن البقية؟ وما هي النجاة أصلاً؟ هل هي تخفف من حدة الألم؟ ولو هي كذلك، إذاً  استمرار الألم لا يعني النجاة، ما يعني أن المُعرّضة للاعتداء هي ضحية، أم ناجية، أم بين هاتين.

إن القلق حيال استخدام مصطلح “الضحية” يستدعي الالتفات لوجهة نظر الضحية نفسها، لأن المعنى الضمني للنجاة قد يخالف واقع من عشنّ التجربة بأنفسهنّ، مثلاً بالنسبة لنا نحن، قد لا يبدو النجاة كما هو في المُتخيل، متمثلاً في المضي قدماً، الحصول على وظيفة جديدة، أو الحصول على شريك جيد. هذا لا يعني أننا تخطينا ما حدث. وهذا ما يتعارض مع المفهوم الإجتماعي الذي سطرته بعض الباحثات “النسويات” للتمييز بين المصطلحين.  فترفض الكاتبة النسوية نايومي وولف ما أسمته ب “نسوية الضحية”،والتي اعتبرتها محاولة النساء إلى الحصول على قوة من خلال الاتفاق على هوية ضحية مُوحدة. وتتفق كاثلين باري مع نايومي في أن مُصطلح “ضحية” يبسط تجربة العنف، ويسلب المُتعرضة له من آدميّتها، حيث يحولها كمُتلقية للعنف فقط..

 ربما يتوجب علينا الاستثمار في معالجة الدلالات الخاطئة لمصطلح ضحية هو أفضل من رفض المصطلح بشكل تام ، أو ربما سؤال صاحبة التجربة عن ما تفضله، ولكن قبل كل ذلك للنجاة دلالات لا  نحصل عليها جميعاً، ربما النجاة تعني للبعض البقاء على قيد الحياة رغم التعرض لكل هذا ،هل يكون الوضع مشابها لضحايا التحرش الجنسي، في الحالتين نحن بقينا على قيد الحياة، وهذا لا يعني لنا شيئاً مقابل اللحظات التي نأمل فيها مغادرتها لتجنب ألم ما مررنا به. لذلك ضحايا  كنا أم ناجيات لا شيء يخفف من  تراجيدية الحدث.

لطالما فكرت كيف يبدو الشعور بالنجاة، ولمَ على الجميع مناداتي بالناجية؟ أن نكون ضحايا لا يعني أن القضية ليست شجاعة، الشجاعة لا تعني تجاهل الضعف أو الألم أو الظلم، فلم نَتسمى (نُكنى) بالنجاة ونحن لم نحصل عليها قط. في إحدى مشاهد الفيلم، عندما توافق آني على المشاركة بالفيلم الوثائقي لفضح ما حدث لها. يسألها المخرج:” هل تفضلين مناداتك بالضحية أو الناجية.”  لترد عليه ” ناجية هذا مقرف، أفضل ضحية” لا يمكن أن هذا المشهد عابراً بالفعل، فمن يحدد توقيت النجاة؟ ما يأخذنا إلى سؤال، هل البوح يعني النجاة؟. سؤال نشرته على صفحتي على فيس بوك، كي أتلقى العديد من الرسائل من نساء بُحن  بتجاربهنّ، لكن لا زلن يرين أنفسهن ضحايا. قالت إحداهن ” عندما نتخلص من آثار ما حدث معنا، هنا تكون النجاة، حتى بعد البوح لم أتخلص من ذلك الألم، أنا لا زلت ضحية .”  وهذا ما عبرت عنه جيسيكا نول في كتابها الذي تم تحويله إلى فيلم “الفتاة الأوفر حظاً” قائلة: “ المَضي قدمًا لا يعني أنك لا تتحدث عن ذلك، أو تتأذى حيال ماحدث، ما حدث سيبقى مؤلماً إلى الأبد.”

العمل النسوي يركز أكتر على النضال الإصلاحي والثوري الحقيقي في السلطويات القانونية والعرفية، للخروج من آثار العنف، بل والعمل على تجفيف منابع هذا العنف من الأساس. لا على التركيز أكثر، في جدليات بين ناجية أو ضحية، ربما في العمل الجماعاتي في بيئات مُختلفة، تتناسب كلمة “ناجية” أكثر عرفياً وسُلطوياً، وفي مُجتمعات أُخرى لا تتناسب. كما على المستوى الذاتي، تختار النساء بشكل فرداني/ذاتي، كيف توصّف هي نفسها، بما أن هي التي تملّك شعورها النفسي والاجتماعي تجاه تجربتها.ِ

لقراءة المقال كاملاً:

https://no2ta.org/a/d4f725d?fbclid=IwAR3RdsjnEMSMEifg2xBA1Qo8I94lp05-DML5sGGqEZWLkWQ-hYHU5jzye04

المقالة السابقة
النساء وما قاله «أهل أوّل».. البداية مَثَل والنهاية جريمة!
المقالة التالية
دعوة للمسوّقين

أضف تعليق

Your email is safe with us.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Rawabet طلب التسجيل في منصة

X
هذا الموقع مسجل على wpml.org كموقع قيد التطوير.