إنشاء سجل Sign In

السوريون: شعبٌ مذبوح أم مكوّنات محرومة من هوياتها؟

Awan - أوان 

السوريون: شعبٌ مذبوح أم مكوّنات محرومة من هوياتها؟

بقلم: ثائر ديب

جهة النشر: Awan – أوان 

من قمعوا الشعب السوري ونهبوه كانوا حريصين على دفع هذا الشعب بالاتجاه الهوياتي المكوّناتي الطائفي، ما يجعل من الغريب، نظريًا ومنطقيًا، أن تمارس معارضتهم الممارسة نفسها، بل وتبزّهم في الخطاب.

شاع خلال دستة السنوات الأخيرة استخدام مصطلحي “الهويات” و”المكوّنات” في سوريا وبين النخب السورية على نحو غير مسبوق. وهو أمر مفهوم، أي مُفَسَّر، بالنظر إلى أننا نعيش عالميًا عصر ما بعد الحداثة، بتشديده على المكان والمحلّة والاختلاف والهوية، بخلاف الحداثة التي تشدد على الزمان والعالم وما يجمع.

كما أنّه مفهوم أيضًا، بالنظر إلى العنف الوحشي الذي لطالما مورس على المجتمع السوري وجوبهت به الاحتجاجات السورية في السنوات الماضية، وما أدّى إليه ذلك من هزيمة قاسية، حتى لو كانت مؤقتة، مُنيت بها هذه الاحتجاجات في تحقيق مطالبها الجامعة، ولجوئها إثر ذلك إلى هويات جزئية مذهبية في الغالب، تغذّيها نخب متعجّلة ومخفقة طفت فوق الاحتجاجات من دون أن تقوى على تقديم تبرير نظري يستحق الذِّكر، لا لمثل هذا اللجوء ولا لأيّ شيء آخر، حتى صارت مضرب مثل عالمي في السوء والإخفاق والتحذير من تكرار مثالها.

يمكن القول، إذًا وبوجه عام، إنّ تصاعد الكلام على “المكوّنات” و”الهويات” و”الاختلاف” هو، إلى حدّ بعيد، ثمرة إخفاق وهزيمة أمام قمع مديد، وفي احتجاجات جوبهت بوحشية لا مثيل لها وطفت فيها نخب بائسة في طبيعتها الطبقية والفكرية والسياسية كما في تحالفاتها الإقليمية والدولية، وذلك في عصر عالمي هو ذاته، في وجه أساسٍ من أوجهه، ثمرة هزيمة عالمية مُنيت بها التيارات الراديكالية اليسارية وحركات التحرر الوطني.

تدرّج الكلام الفكري والسياسي على “المكوّنات” و”الهويات” في السنوات الماضية بتدرّج مراحل الإخفاق والهزيمة، من “اللامركزية” المناطقية، إلى “اللامركزية” على أساس الأقوام، إلى “اللامركزية” على أساس الأقوام والمذاهب، إلى “الديمقراطية التوافقية”. وكان ذلك واضحًا، بهذا القدر أو ذاك، برغم اختلاطه وسوء التعبير عنه في كثير من الأحيان.

“الديمقراطية التوافقية”، كما في المثالين اللبناني والعراقي، هي ديمقراطية زعماء الطوائف، أي ديمقراطية تقاسم هؤلاء مؤسسات السلطة ومواقعها

وباشتداد العنف الوحشي والهزيمة، بدت اللامركزية الطوائفية و/أو الديمقراطية التوافقية، وربما الانفصال على أساس المذاهب، من السيناريوهات القوية التي يُحتمل أن ينتهي إليها الحدث السوري الرهيب.

تبقى “الديمقراطية التوافقية” احتمالًا  أقرب. و”الديمقراطية التوافقية” ــــ في مفهومها النظري كما في أمثلتها العيانية، ومنها المثالان اللبناني والعراقي ــــ هي ديمقراطية توافق الطوائف، بل ديمقراطية ممثلي هذه الطوائف وزعمائها؛ أي ديمقراطية تقاسم هؤلاء الزعماء والممثلين الطائفيين مؤسسات السلطة ومواقعها.

وإذا ما كان غريبًا أن يقترن مثل هذا النظام السياسي بثورة، كما دُعيت الاحتجاجات السورية إلى الآن، أو ينجم عنها، فإنّ الكفيل بتبديد هذه الغرابة هو تحليل ما أشرتُ إليه آنفًا من حضور قوى معينة اجتماعية وسياسية وغياب أخرى، وما يفرضه ذلك من طبيعةٍ محددة لهذه “الثورة” ووجهةٍ لها.

يبقى الأشدّ غرابة في الحالة السورية أنَّ كتيبة القصف التمهيدي الذي يُعِدُّ لهذا الاحتمال تتألّف في معظمها من “ثوّار”، يساريين سابقين في الغالب، يروّجون له عن وعي أو عن سواه، بكلام غائم على “الهويات” و”المكوّنات” أحيانًا، وكلام صريح على “الطوائف” أحيانًا أخرى، وحجّتهم الأساسية أنَّ هذه “المكونات ــــ الطوائف” أمر واقع، وأنّ ثمّة تمييزًا بينها، فلا بدّ من تصويب الحال بوضع هذه الطوائف على قدم المساواة.

وعلى هذا الأساس، تُصْدَر البيانات وتُدَبَّج المقالات التي تصوّر الصراع على أنّه صراع طائفي في جوهره، كما تُعْقَد الورشات والندوات للشباب “الثوريّ” كي يلقّنهم فيها خبراء مزعومون كيف يزرعون روح المصالحة والتعايش بين البشر بوصفهم أبناء طوائف.

كونك برجوازيًا أو عربيًا أو كرديًا ليس بالمفاعيل ذاتها التي لكونك مسيحيًا مثلًا

مع أنَّ هذه المساهمات السورية لا تزال شديدة الغرارة بالمقارنة مع نظيرتها في أرجاء الدنيا، بل وبالمقارنة مع نظيرتها اللبنانية والعراقية، غير أنّ بمقدورنا أن نقول إنَّ القدم قد وُضِعَت على أول الدرب المُفضي إلى “جنّة الطوائف”، حيث يقف على جانبي هذا الدرب منظّرون عُتاة لا يُقاس بهم البؤس النظري السوري؛ منظّرون يُرْجَع إليهم على مستوى عالمي، ويُسْتَشْهَد بهم، وتُترجَم أعمالهم، ويُستشارون عمليّاً، وتُقدَّم وجهات نظرهم على أنّها المُنقذ من اقتتال الطوائف وما يودي إليه من خراب.

وتكاد أجنبيةُ هؤلاء تُنسي المرء أنَّ الكلام يجري على نظام سياسي شبيه بما هو موجود قربنا في لبنان والعراق، وأنّ لبنان على الأقلّ عرف منظّرين وفقهاء كبار على صعيد بناء هذا النظام العتيد الذي رأينا أنه هو أيضًا ــــ وليس الديكتاتوريات وأنظمة الاستبداد وحدها ــــ وصفة للخراب لا مُنقِذًا منه.

عادةً ما تُمرَّر “الديمقراطية التوافقية” في إهابِ أسئلةٍ تبدو علميةً رفيعة، لكنها أبعد ما تكون عن العلم في الحقيقة: كيف نخطّط الديمقراطية في بلد منقسم إلى طوائف وأعراق فلا يطيح بها الصراع الداخلي ولا الرياح الإقليمية والدولية؟ ما الأنظمة الانتخابية التي تساعد الديمقراطية على البقاء في بلدان تشطرها الانقسامات الدينية والعرقية؟ والجواب دومًا هو: الديمقراطية التوافقية، ديمقراطية ممثلي الطوائف والأعراق. وهذا ينطوي على نظرة إلى المجتمع تراه، أصلًا وفي الأساس، طوائف وأعراقًا.

وإذا ما كان في المجتمع هويات أخرى، كالطبقة والجنس والقومية، “تكرّمت” تلك النظرة ووضعت هذه الهويات على سوية واحدة مع الطوائف، وبات لكونك برجوازيًا أو عربيًا أو كرديًا الأهمية والمفاعيل ذاتها التي لكونك مسيحيًا.

منطق الجماعات الطائفية يؤسّس لكيانات سياسية متعددة وليس لكيان موحّد كما يدّعي

والأسوأ بعد أنَّ المجتمعات تُقسم في هذا المنطق على نحوٍ استشراقي بين من تُسْتَطَبُّ لها وصفة ديمقراطية الطوائف (بلدان الجنوب العالمي عمومًا) ومن لا يليق بها مثل هذا الاستطباب (بلدان الشمال)، مع أنها تعجّ بالطوائف التي سبق أن تصارعت وأسالت أنهارًا من الدماء. كما يُنسى في السياق أنَّ مجتمعات لا طوائف فيها شهدت ظواهر وصراعات لا تختلف في أسبابها وجوهرها عن تلك التي شهدتها تلك التي تُوصف بأنّها مجتمعات طائفية.

يبقى الأساس النظريّ لدى أصحاب “الديمقراطية التوافقية” ــــ الغرّ بينهم كما الرصين، والعفويّ كما المُدْرِك ــــ أنَّ انقسام المجتمع إلى طوائف وإثنيات هو انقسام جوهريّ إن لم يكن الانقسام الجوهري ذاته، ولا بدّ تاليًا من أن يُفْهَم المجتمع ويُدَار ويُصَاغ على هذا الأساس.

وبذلك تغدو هذه الهويات الجماعية الطائفية والإثنية مرجع الدولة الوطنية وليس العكس. فما يؤسّس الكيان الوطني الحديث، بحسب هذا المنطق، هو جماعات مؤسِّسة، مذهبية وطائفية وإثنية، تتساوى في ما بينها، وليس علاقة مواطنة تربط الفرد بالدولة.

وطبيعيٌّ أنَّ مثل هذا المنطق، عدا عن خطله النظري، يؤسّس لكيانات سياسية متعددة وليس لكيان موحّد كما يدّعي. ودعوته إلى تقاسم السلطة والتوافق والتعايش هي نوع من إدارة حرب مفترضة مخبوءة قد تغدو حربًا أهلية في أيّ لحظة. والمساواة التي يطلبها ليست سوى مسكّن مؤقَّت لبلاء يعمل هذا المنطق على تعزيزه بدلًا من أن يخفّف منه أو يزيله. وبالطبع، فإن الكلام على خلطة بمقادير مناسبة من ديمقراطية المواطنة وديمقراطية الطوائف، لا يغير مما سبق شيئًا، ويصح عليه الشيء ذاته.

السؤال الأساس هو: هل من حقّ الجماعات أن تكون لها سلطة على المواطن الفرد، وهل تتعدّى هذه السلطة حدّ حقّه باختيار انتماءاته؟

صحيحٌ أنَّ الاستبداد يتوسّل شقوق المجتمع البيولوجية والثقافية والجغرافية ويستثمرها، وصحيحٌ أنَّ ضعف الدولة الوطنية يدفع حتى الثورات إلى إظهار شقوق الهوية هذه واتّخاذها طابعًا سياسيًا واحتجاجيًا يطلب العدل والمساواة على شكل حقوق للجماعة لا للفرد وحده، وربما على حساب حقوق هذا الفرد، لكنّ ذلك كلّه لا يبرّر اعتبار ما هو واقعيّ وقائم عقلانيًا ومبرَّرًا لمجرد أنّه واقعيّ وقائم. ذلك أنَّ الواقعيّ يُمكن أن يُتَّخذ ذريعة لتكريسه وتأبيده بأشكال شتّى، كما يُمكن أن يشكّل دافعًا لنقده وتغييره جذريًا.

السؤال الأساس في شأن الحالة التي نتناولها هنا: هل نحن إزاء مواطنين أفراد أم إزاء جماعات (مِلل وأقوام وجهات..)؟ والردّ، بالطبع، هو: إننا إزاء مواطنين أفراد لهم، في الوقت ذاته، انتماءاتهم الأخرى.

عندها يغدو السؤال: هل هذه الانتماءات كيانات قائمة بذاتها ممّا يرتّب على الدولة حقوقًا تجاهها تتعدّى حقوق المواطنة والفرد؟ وكذلك: هل من حقّ هذه الجماعات أن تكون لها سلطة على الفرد والمواطن، وهل تتعدّى هذه السلطة حدّ حقّ هذا المواطن باختيار انتماءاته؟

بعبارة أخرى: ما العلاقة بين الجماعة والفرد والدولة؟ هكذا، ينفتح المجال واسعًا أمام تناول علمي لمسألة الجماعات، الطائفية والعرقية وسواها، بدل الاكتفاء بأخذ واقع وجودها ذريعةً لتكريسها ومأسستها، باسم التحرر والانعتاق.

طبيعي أنّ الإجابات عن الأسئلة السابقة تتعدد بتعدد المجيبين ومنابتهم ومصادرهم وانتساباتهم. وطبيعيٌ أن تتخفّى إجاباتٌ كثيرة في هيئات ليست لها في حقيقة الأمر، أو أن يكون بعضها دون عتبة الوعي الواضح بنسبه الاجتماعي الفكري.

الجماعات ليست وحدات أساسية للتحليل، ولا هي كيانات متجانسة داخليًا ومحددة الحدود تُنسَب إليها مصالح وأفعال

وعلى هذا الأساس، فإننا لا نخفي، بل نجهر ونتفاخر، بأنَّ الإجابة الصائبة والعادلة والتقدمية والحضارية هي الدعوة إلى إقامة المساواة والعدل على أساس المواطنة، على أساس تساوي الأفراد أمام القانون وفي حرياتهم وحقوقهم السياسية.

ذلك أنّ هذا وحده ما يُمكن أن يوفّر إطارًا سياسيًا واحدًا للقانون والعدل، أو مرجعًا أساسًا لهما، يمكن أن يستوعب في داخله حقوقًا جماعية لجماعات مختلفة. فحين تُربط الحقوق بالمواطنة وبالفرد المواطن، لا بالجماعة التي ينتمي إليها الفرد، يغدو وجود جماعات لها حقوق مسألة يسيرة، إذ يغدو الانتماء إليها واحدًا من حقوق الفرد المواطن ذاتها، ألا وهو حقّه في اختيار هويته الثقافية أو الدينية، مثلًا.

وفي المقابل، فإن اتّخاذ حقوق الجماعات مرجعًا وأساسًا ليس سوى مشروع لإقامة كيانات منفصلة ومتحاربة لا يجمعها إطارٌ واحدٌ لإدارة العدالة. ولن تلبث هي ذاتها أن تنقسم، لأنَّ تناقضات موضوعية أعمق وأهمّ تشقّها هي أيضًا.

كلّ ذلك، من دون أن نأتي إلى مفهوم “الجماعة” ذاته، وخطل اعتباره الجماعات الوحدات الأساسية للتحليل، والمكوّنات الأساسية للعالم الاجتماعي، وكيانات متجانسة داخليًا ومحددة الحدود تُنسَب إليها مصالح وأفعال وأغراض جمعية موحَّدة. ومن دون أن نأتي إلى مفهوم “الطائفة” الذي لا يشير في جوهره إلى “جماعة” اجتماعية بل إلى علاقة سياسية.

لكنّ ذلك مما لا يتسع له المقام الآن. غير أنّه يصعب أن نختم من دون القول إنّ من قمعوا الشعب السوري ونهبوه كانوا أسخياء حريصين ــــ في الممارسة على الأقلّ، لا في الخطاب المعلن ــــ على دفع هذا الشعب بالاتجاه الهوياتي المكوّناتي الطائفي وعدم حرمانه منه، ما يجعل من الغريب، نظريًا ومنطقيًا، أن تمارس معارضتهم نفس الممارسة، بل وتبزّهم في الخطاب.

المصدر.

المقالة السابقة
مأسسة الحراك المدني في المنفى: الضرورة، وتطوير الكفاءة المهنية، والفضاء الذاتي في حالة الناشطات السوريات في برلين
المقالة التالية
برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في حلب،مشروع “دعم النساء”

Rawabet طلب التسجيل في منصة

X