المجتمع المدنى ومساهمته بتنفيذ آليات التنمية المستدامة في اطار محاور استراتيجية ٢٠٣٠ – المبحث الثاني

المجتمع المدني وأدواره

مفهوم المجتمع المدني

لاشك بأن الأديان السماوية كانت سباقة في الدعوة إلى العمل الخيري بجميع أشكاله، أما على المستوى الوضعي فقد نشأ مفهوم المجتمع المدني أول مرة في الفكر اليوناني حيث أشار إليه أرسطو باعتباره “مجموعة سياسية تخضع للقوانين”، أي أنه لم يكن يميز بين الدولة والمجتمع المدني. تطور هذا المفهوم في القرن الثامن عشر حيث بدأ التمييز بين الدولة والمجتمع وبدأت حركة الجمعيات بالتبلور كنسق يملك الأحقية في الدفاع عن الحق في الحرية ضد مخاطر الاستبداد السياسي.

وفي نهاية القرن ذاته تأكد في الفكر السياسي الغربي ضرورة تقليص هيمنة الدولة لصالح المجتمع المدني الذي يجب أن يدير أموره الذاتية بنفسه وأن لا يترك للحكومة إلا القليل.

وفي القرن التاسع عشر حدث التحول الثاني في مفهوم المجتمع المدني حيث قال كارل ماركس أن المجتمع المدني هو ساحة الصراع الطبقي. وفي القرن العشرين طرح المفكر الإيطالي جرامشي مسألة المجتمع المدني في إطار مفهوم جديد فكرته المركزية هي أن المجتمع المدني ليس ساحة للتنافس الاقتصادي بل ساحة للتنافس الأيديولوجي، منطلقًا من التمييز بين السيطرة السياسية والهيمنة الأيديولوجية.

وقد اهتمت المجتمعات المعاصرة بعمل منظمات المجتمع المدني، حيث تم طرحه على المستوى الدولي تحت عنوان برنامج الأمم المتحدة التطوعي في عام1967، وتطورت العملية التطوعية حتى أصبحت معيارًا ومؤشرًا قويًا للتنمية والتقدم.

وتتكون منظمات المجتمع المدني من الهيئات التي تسمى المؤسسات الثانوية مثل الجمعيات الأهلية، والنقابات المهنية والعمالية، وشركات الأعمال، والغرف التجارية والصناعية، المؤسسات الخيرية، والجمعيات المدنية، والهيئات التطوعية، وجمعيات حقوق الإنسان، وجمعيات حقوق المرأة، والنوادي الرياضية، وجمعيات حماية المستهلك، وما شابهها من المؤسسات التطوعية.

و المقصود أن نطاق المجتمع المدني ينحصر في المؤسسات والمنظمات غير الحكومية التي يقوم نشاطها على العمل التطوعي، ومن ثمة فهو مجتمع مستقل إلى حد كبير عن إشراف الدولة المباشر. و بشكل عام كثيرة هي المصطلحات التي تتردد في الأدبيات والتي تتعلق بواقع منظمات المجتمع المدني مثل المنظمات الأهلية، والمنظمات غير الحكومية، ومؤسسات العمل الخيري، المؤسسات غير الربحية، والمؤسسات التطوعية، ومؤسسات العمل التطوعي.

ولذلك فإن المنظمات غير الحكومية ليست محل اتفاق حتى بين الدول المتقدمة، ففي فرنسا يسمونها الاقتصاد الاجتماعي، وفي بريطانيا يطلق عليها الجمعيات الخيرية العامة، ويسميها الألمان الجمعيات والاتحادات، وفي اليابان مؤسسات المصلحة العامة، وتسميها الولايات المتحدة الأمريكية المنظمات التطوعية الخاصة، وفي معظم دول إفريقية يطلق عليها منظمات التنمية التطوعية.

ورغم اختلاف منظمات المجتمع المدني في تسمياتها وأشكالها، إلا أنها تتقاسم مع بعضها البعض في مجموعة من الخصائص الأساسية مثل كونها منظمات خاصة، وغير ربحية، ومستقلة، وتطوعية ، بحيث يملك الأفراد الحرية بالانضمام إليها أو دعمها.

وقد لجأ الباحثون لوضع التعريف الآتي للمجتمع المدني أو لمنظمات المجتمع المدني “المجتمع المدني هو الأفراد والهيئات غير الرسمية بصفتها عناصر فاعلة في معظم المجالات التربوية والاقتصادية والعائلية والصحية والثقافية والخيرية وغيرها .

وظائف المجتمع المدني

تتمثل وظائف المجتمع المدني في العديد من الأنماط نتناول سردها فيما يلي:

تجميع المصالح

من خلال بلورة مواقف جماعية من القضايا والتحديات التي تواجه أعضاءها كقضايا ثقب الأوزون وتلوث المحيطات وتغيرات المناخ، وتمارس هذه الوظيفة بشكل أساسي من خلال النقابات العمالية والمهنية والغرف التجارية والصناعية وجماعات رجال الأعمال.

حل معظم النزاعات

حل معظم النزاعات الداخلية بين الأعضاء بوسائل ودية دون اللجوء إلى الدولة وأجهزتها البيروقراطية، وتقوية أسس التضامن الجماعي وإدارة الصراع بوسائل سلمية.

زيادة الثروة و تحسين الأوضاع
بمعنى المقدرة على توفير الفرص لممارسة أنشطة بيئية تؤدي إلى زيادة الدخل من خلال هذه المؤسسات نفسها مثل مشروعات الجمعيات التعاونية الإنتاجية والنشاط الذي تقوم به الجمعيات التعاونية الاستهلاكية والمشروعات الصغيرة ومشروعات التدريب المهني الذي تقوم به النقابات المهنية والعمالية.

إفراز القيادات الجديدة
إعداد قيادات جديدة من الأجيال المتتالية،تبدأ بالمؤسسات وتعتبر مخزنا، حيث تكتشف القدرات من خلال النشاط الجماعي والتي تتولى مسؤوليات قيادية في المجتمعات المحلية والقومية فيما بعد.

إشاعة ثقافة العمل التطوعي
احترام قيم العمل التطوعي، العمل الجماعي، الالتزام بالمحاسبة العامة والشفافية والتسامح وقيم الاحترام.

تحقيق النظام و الانضباط في المجتمع
أداة لفرض الرقابة على سلطة الحكومة وضبط سلوك الأفراد والجماعات اتجاه بعضهم البعض.

تحقيق الديمقراطية
توفير قناة للمشاركة الاختيارية في المجال العام، و في المجال السياسي، تعد إدارة للمبادرة الفردية المعبرة عن الإرادة الحرة والمشاركة الايجابية.

التنشئة الاجتماعية و السياسية
الإسهام في عملية بناء المجتمع أو إعادة بنائه من جديد من خلال غرس القيم والمبادئ في نفوس الأفراد.

الوفاء بالحاجات و حماية الحقوق
و على رأس تلك الحاجات حقوق الإنسان، حرية التعبير والتجميع والتنظيم وتأسيس الجمعيات.

الوساطة و التوفيق
توفير قنوات للاتصال ونقل أهداف ورغبات الحكومة والمواطنين بطريقة سليمة.

التعبير والمشاركة الفردية والجماعية
قنوات مفتوحة لعرض الآراء و وجهات النظر بحرية حتى لو كانت تعارض الحكومة وسياساتها للتعبير عن المطالب بأسلوب منظم وطريقة سليمة دون حاجة لاستخدام العنف.

ملء الفراغ في حالة غياب الدولة أو انسحابها
تحرك المجتمع المدني بشغل الفراغ الذي يحدث بانسحاب الدولة من عديد من الأدوار والوظائف التي كانت تؤديها في الماضي وإلا تعرض المجتمع للانهيار خاصة عند الفئات التي كانت تستفيد من الدور السابق للدولة وتعتمد عليها لإشباع احتياجاتها وهناك حالات أخرى مثل حدوث غزو و احتلال أجنبي أو حرب أهلية.

توفير الخدمات و مساعدة المحتاجين
وذلك بتقديم خدمات خيرية واجتماعية هدفها مساعدة الفئات الضعيفة التي توجد على هامش المجتمع.

تحقيق التكامل الاجتماعي
تبرز أهمية هذه الوظيفة عند ضعف أو ضيق منافذ التعبير عن الرأي أمام الناس بحيث يفقدون القدرة على التأثير في القرارات السياسية التي تمس حياتهم بشكل مباشر.

معايير قياس فعالية المجتمع المدني

إذا كان لمؤسسات المجتمع المدني أهدافا تسعى لتحقيقها حيث تنتهي بإشباع احتياجات المجتمع من خلال دورها الخدمي والخيري وتفعيل المشاركة الواعية والفاعلة في إحداث التنمية المستدامة وتطوير الوعي بكافة أنواعه لدى جميع شرائح المجتمع، فإنه يجب أن تكون هناك معايير تقاس بها تلك الأهداف، التي تسعى هذه المؤسسات من خلالها ومن خلال أدوارها المتعددة لتحقيق التنمية بالتعامل مع البيئة ومقوماتها الأمنية للحفاظ على التوازن البيئي والموارد الطبيعية ويمكن التعبير عن هذه المعايير من خلال:

  • كيفية إدارة الموارد الطبيعية.
  • الحفاظ على التراث الثقافي وتحقيق الإنتاج والاستهلاك المستدام.
  • رفع الوعي العام والدعم المؤسسي وبناء القدرات.
  • تحسين تخطيط الموارد وتحسين الصحة العامة.
  • رفع درجة انتماء الأفراد واحترامهم لبيئتهم ومجتمعاتهم.
  • توفير فرص العمل ورفع مستوى المعيشة وتوفير بيئة أفضل للمعيشة والعمل.
  • تحقيق اللامركزية في إدارة النظم البيئية لتحقيق التنمية المستدامة.
  • القضاء على مشاكل الفقر والبطالة ومشاكل المرأة والأمن الغذائي.

دور مؤسسات المجتمع المدني في تحقيق التنمية المستدامة

سنتوسع هنا في اهم مؤسسات المجتمع المدني التي تساهم في تحقيق التنمية المستدامة

دور الأسرة
تلعب الأسرة دوراً هاماً في تنشئة أجيال تعي جيدا ماهية البيئة وماهية مخاطرها على المجتمع وذلك من خلال القدوة الموجودة لدى الأب والأم حال الاهتمام بالنظافة والاستخدام الرشيد لكل شيء حتى يتم التقليل أو الحد من تأثير استخدام الفرد السيئ للبيئة والهدف هو إضافة عضو نافع يعي جيدا الأخطار المحيطة بالبيئة يكون قدوة لأهله.

دور المؤسسات التعليمية
دورها مكمل لدور الأسرة في الارتقاء بسلوك الطفل في المدرسة حيث توجد إدارات للبيئة بالمدارس تسهم في رفع الوعي البيئي…و يجب أن تتضمن المناهج الدراسية مقررا مستقلا عن البيئة وضرورة القيام بأنشطة تخدم البيئة.

دور العمال و النقابات العمالية
من خلال تعريف العمال بأضرار الاستخدام السيئ لبعض التكنولوجيات الملوثة للبيئة والتي قد تسبب لهم الأمراض وهنا تطالب النقابات بضرورة الحصول على تكنولوجيات نظيفة و تحقيق المناخ الجيد للعمل.

دور العلماء
ضرورة عقد ندوات سواء في المحافل الدولية العامة أم الخاصة أم في وسائل الإذاعة والتلفزيون يوضح فيها العلماء كيفية المحافظة على البيئة.

دور النوادي الاجتماعية و الرياضية
يستغل وجود صفوة المجتمع لإبراز دور الأفراد في التوعية المستدامة لمخاطر التلوث وخاصة لصغار السن من أبناء وأحفاد الأعضاء أو عن طريق عقد ندوات يدعى لها المتخصصون.

دور الإعلام في تحقيق التنمية المستدامة
نجاح التنمية المستدامة يتطلب حسن الإدارة البيئية للمشاريع الإنمائية بحيث يدمج محور الحفاظ على البيئة في هذه المشاريع، أيضا إجراء التقييم البيئي المستمر للمشاريع التنموية ونشر الوعي البيئي والتربية والتدريب والتثقيف وبالتالي نجد أن هناك ارتباط وثيق بين التنمية المستدامة والإعلام.

دور المؤسسات الدينية
تلعب المؤسسات الدينية من المساجد وغيرها دورا كبيرا في توعية الناس من خلال الدروس، الخطب الأسبوعية والندوات لإبراز مساوئ التلوث البيئي على الطبيعة.

دور المجالس الشعبية المحلية في المدن و القرى
على المجالس الشعبية المحلية القيام بدورها في خلق التنمية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية في كافة مناحي المجتمع المحلي، القيام بدورها التنموي والحفاظ على البيئة ورقابة سلبيات الوحدات التنفيذية وفرض عقوبات على المخالفين، إعادة إصلاح ما أفسده البعض من خلال محور الإصحاح البيئي في سبيل تحقيق التنمية المستدامة.

Date of Study: 
Thursday, July 27, 2017