أزمات اللاجئين في العالم العربي

 

مقدّمة

بات الصراع من السمات الفارقة في الشرق الأوسط، وهو يُرغم الملايين من الناس على مغادرة أوطانهم. فمن أصل 60 مليون لاجئ في العالم، يأتي 40 في المئة من المنطقة العربية، وبشكل أساسي من سورية وفلسطين.1 وعلى الصعيد العالمي، أبرز حجم الأزمة واتساع نطاقها مدى قصور المواثيق الدولية في ما يتعلق بمواجهة التداعيات الإنسانية للتحركات السكانية الضخمة. أما على الصعيد الإقليمي، فقد فرضت الأزمة على البلدان التي تتصدر الدول المضيفة ضغوطاً كبيرة لأنها تبذل قصارى الجهد للعناية بهذه الموجات السكانية المُهدّدة بالمخاطر. وبالنسبة إلى اللاجئين، أسفرت الأزمة عن تدهور منهجي لحقوقهم، ولنوعية حياتهم، ومستوى التعليم وآفاق المستقبل بالنسبة إلى أطفالهم.

على العموم، فاقم التنامي السريع لأعداد اللاجئين في المنطقة العربية المخاوف الوجودية القائمة أصلاً في البلدان المضيفة. ففي لبنان والأردن، كان على الحكومة في كل من الدولتين المضيفتين أن تواجه طوفاناً من اللاجئين، في وقت شحت فيه الموارد واستنفذت القدرات. وفي غياب إطار إقليمي لمواجهة هذه الأزمة، وفي غمرة المخاوف من تطاول فترة النزوح، عمد معظم بلدان المنطقة إلى عدم دمج اللاجئين لدفعهم إلى العودة إلى بلدانهم الأصلية. وكان ذلك يعني انتهاج سياسة تحدّ من نفاذ اللاجئين إلى الخدمات، والانتقاص من حقوقهم المنصوص عليها دوليا. وعلى الرغم من وجودها في الخطوط الأمامية في ما يتعلق بمواجهة هذه الأزمة، فإن البلديات في كل من لبنان والأردن كانت تفتقر إلى الدعم الضروري من الحكومة المركزية لتلبية احتياجات اللاجئين السوريين. كما أن النزر اليسير من الخطوط الإرشادية التي تحدد صلاحيات البلديات أدّت، وإن بدرجات متفاوتة، إلى استجابات محلية متباينة مرهونة بالانتماءات السياسية للمجالس البلدية والخصائص الاجتماعية-السياسية المحلية.

في تلك الأثناء، وبسبب المخاوف الأمنية، سعت الدول إلى الحد من تدفق اللاجئين، وشدّدت الرقابة على المعابر الحدودية التي كانت مفتوحة في الماضي أو أغلقت تماماً، ما أدّى إلى التقييد المُشدّد لتدفق الناس والسلع عبر الحدود. وأفضى ظهور تنظيم الدولة الإسلامية المُعلنة ذاتياً إلى انهيار إدارة الحدود بين الدولتين. إلا أن هذه الإغلاقات والتقييدات لم تمنع التدفّق غير النظامي للاجئين، بل شجعّت شبكات تهريب البشر عبر الحدود.2

لتوضيح هذه الأزمة، نبرز في هذا الفصل ثلاثة حزم من التوصيات السياسية. ومع أن التحليل وهذه التوصيات تتركّز على السياق السوري، الذي ولّد أكثر اللاجئين عدداً، إلا إنها تصلح للتطبيق على نطاق أوسع.

الأطر الدولية والإقليمية للمشاركة في تحمل الأعباء والمسؤوليات

تعجز الترتيبات الدولية لإدارة أزمة اللاجئين عن مواجهة التحديات الراهنة، بما في ذلك حماية السكان المستضعفين ومعالجة التأثيرات على دول خط المواجهة الأول. وتدعو الحاجة إلى بلورة رؤية تحويلية، يساندها التزام سياسي ومالي وعالمي دائم، لحماية الناس من تهوّر حكوماتهم، وتأمين حياة كريمة لمن يهربون من فظائع الصراع. ويتطلّب ذلك نظماً تضامنية دولية ومبادئ واضحة للمشاركة في تحمّل الأعباء، أبعد بكثير مما هو عليه الوضع حتى الآن. ولابد أن تتضمّن هذه المبادئ التزاماً من الحكومات لدعم اللاجئين كي يحافظوا على قدراتهم. كما تشمل كذلك خلق إطار إقليمي من التعاون يسمح للاجئين بحرية التنقل والحصول على التوظيف والخدمات في أرجاء المنطقة. وثمة سابقة لمثل هذا الإطار تتمثل في بروتوكول الدار البيضاء للعام 1965، الذي كان يرمي إلى معالجة حقوق اللاجئين الفلسطينيين.

إعادة توزيع السلطة والموارد على الصعيد الوطني

يتعيّن على الحكومات الوطنية كذلك أن تؤدي دورها في التعامل مع التبعات المترتبة على هذه الأزمة. وتتطلّب معالجة الأعباء المفروضة على هذه الحكومات ودعم الحقوق الأساسية للاجئين، بلورة رؤية تحويلية والاستعداد لإحداث التغيير الضروري. بالنسبة إلى البلدان التي تستضيف أعداداً كبيرة من اللاجئين، يمثّل ذلك مهمة صعبة، غير أنها ليست مستعصية على الحل. ومن المحاور المركزية لهذه العملية إعادة النظر في بنى الحوكمة لمعالجة تعقيدات البيروقراطية المركزية، وتفويض الهيئات المحلية صلاحية اتخاذ القرارات، والقيام بتنسيق مؤسسي أفضل على جميع الأصعدة.

حماية حقوق اللاجئين

أخيراً، يجب أن تكون حماية حق اللاجئين في العودة إلى أوطانهم حجر زاوية في أي نقاش حول التسوية في حقبة مابعد انتهاء الصراع. كما أن من المحاور الرئيسة لتحقيق سلام دائم في سورية والمنطقة تمكين اللاجئين عبر تعريفهم على حقوقهم، وعلى كيفية لعب دور فاعل في سورية بعد انتهاء الصراع. وفي هذه المرحلة الانتقالية، ينبغي أن يكون من الأركان الأساسية لأي حل دائم المحافظة على وضعية اللاجئين بوصفهم كذلك وفق شروط محددة، وضمان حرية التنقل وحقوق العمل.

الإطار الدولي والإقليمي للمشاركة في تحمّل الأعباء والمسؤوليات

 

في غمرة الصراعات المدمّرة المستعصية على نحو متزايد، هاجر أفراد وجماعات بأسرها من مواطنهم في العراق، وليبيا، والسودان، وسورية واليمن. وجاء أغلب طالبي اللجوء من سورية. فقد أُرغم نحو 5.6 ملايين نسمة على عبور الحدود إلى العراق، والأردن، ولبنان وتركيا، بينما انتشر 6.6 ملايين آخرين كنازحين داخل سورية.3 ويقيم كثير منهم في مخيمات مؤقتة للاجئين أو في مساكن لأناس آخرين. كما جازف الملايين منهم بحياتهم في رحلات محفوفة بالمخاطر إلى أوروبا، بينما هاجر مئات الألوف منهم إلى بلدان مجلس التعاون الخليجي، بحثاً عن التعليم أو الوظائف.

لكن السوريين لم يكونوا وحدهم في هذه الناحية. ففي غضون العقود الثلاثة الماضية، شهد العراقيون موجات نزوح ضخمة، إذ هرب ما يقرب من 4.4 ملايين شخص من مواطنهم في حرب الخليج الأولى والثانية في العامين 1990 و2003، وأُرغم مايُقارب 3.4 ملايين على الهجرة بعد ظهور الدولة الإسلامية في العام 2014.4 وهنالك اليوم نحو مليونيْ نازح داخل البلاد، بينما يقيم عشرات الألوف منهم في سورية والأردن. وفي اليمن وليبيا، تتكشّف قصة مماثلة، مع استمرار النزوح، في أغلب الحالات، داخل الحدود الوطنية. وفي تلك الأثناء، هرب أكثر من 2.4 مليون سوداني إلى دول مجاورة، خاصة أوغندا.5

تمثّل حركات النزوح السكاني الضخمة هذه عبر الحدود الوطنية الموجة الرابعة والأوسع نطاقاً من عمليات النزوح القسري الذي واجهته المنطقة منذ نهاية الحرب العالمية الأولى. وجاءت هذه الحركات في أعقاب هروب الأرمن من المذابح في تركيا بين العاميْن 1916 و1918،6 وإرغام 1.2 مليون فلسطيني على مغادرة وطنهم في العامين 1948 و1967.7

ثمة حاجة إلى ترتيبات دولية وإقليمية للتعامل مع تداعيات أزمة اللاجئين هذه. فالنظام الحالي عاجز عن مواجهة التحديات الكبيرة التي تطرحها الصراعات المختلفة في الشرق الأوسط، بحجمه الضخم ونطاقه الواسع. فالاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين للعام 1951، والبرتوكول الملحق بها للعام 1967، وهما الأداتان الدوليتان الرئيستان لحماية حقوق اللاجئين وضمان مبدأ عدم إعادة اللاجئين قسراً إلى البلد الذي هربوا منه،8 صممتا للتعامل مع التحديات التي واجهها اللاجئون بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في أوروبا والاتحاد السوفياتي. فقد طلب نحو 11 مليوناً من غير الألمان اللجوء آنذاك في المناطق التي يُسيطر عليها الحلفاء، بينما طرد 13 مليون ألماني من الاتحاد السوفياتي وتشيكوسلوفاكيا وبولندا. وكان من المفترض، ضمناً، أن العناية باللاجئين ستكون مسؤولية عالمية، إلا أنه لم يتم إدراج أية آليات مُلزمة في الاتفاقية.

وبالتالي، أدّى غياب المشاركة الدولية في تحمّل الأعباء والمسؤولية إلى تحميل دول الجوار، مثل لبنان والأردن، نصيباً غير متكافئ من أعباء العناية بالعدد الأضخم من اللاجئين. وقد تُرك اللاجئون المُستضعفون في أوضاع محفوفة بالمخاطر بصورة مطّردة جراء الطبيعة غير الملزمة للآليات الدولية الخاصة بحماية اللاجئين، وعدم إنفاذ الإجراءات الخاصة بضمان حقوق اللاجئين.

 

ثم ثمة افتقار للترتيبات الإقليمية الخاصة بمعالجة الأزمة. فسبع دول فقط من الدول السبع والعشرين الأعضاء في الجامعة العربية وقّعت الاتفاقية الخاصة بوضع اللاجئين والبروتوكول الملحق بها، لكن أياً منها لم يصادق عليها (انظر الجدول في الملحق).9 واتخذت خطوة إيجابية العام 1965 بتبني "بروتوكول الدار البيضاء حول معاملة الفلسطينيين في البلدان العربية" من جانب وزراء الخارجية في الدول الأعضاء في الجامعة العربية، الذي يؤكد على حق توظيف اللاجئين الفلسطينيين في البلدان المضيفة، والحصول على وثائق السفر، والسفر بين الدول العربية وفقاً للتأشيرات وأذون الدخول المعتادة بالنسبة إلى المواطنين العرب الآخرين.10 غير أن أغلب الحقوق الممنوحة وفق هذه الاتفاقية لم تشهد التزام مختلف الدول بها، ولاسيما تلك المتعلقة بالتوظيف وحرية التنقل.

في مثل هذا السياق الواسع، تبنّت جميع البلدان العربية سياسة المقاربة غير الإدماجية التي تعتبر اللاجئين ضيوفاً مؤقتين غير مرغوب بهم؛ فهي تحرمهم من وضعهم كلاجئين، ومن حقوقهم الأساسية، وتعتبرهم في آنٍ عبئاً وخطراً محتملاً على أمن الدولة وسلامتها. وتتحكّم في مختلف السياسات في أغلب الحالات اعتبارات اقتصادية، وسياسية، وأمنية، وديموغرافية وثقافية. وبينما تنشغل بلدان مجلس التعاون الخليجي أساساً بالمحافظة على أنظمة الحوكمة وتوزيع الثروة فيها، فإن دول المشرق مهتمة أولاً بالتحديات المستقبلية التي سيطرحها اللاجئون الوافدون على التوازن السياسي بين الجماعات الطائفية والإثنية، وكذلك بالأعباء الاقتصادية للعناية بأعداد ضخمة من الوافدين إلى البلدان المضيفة ذات الموارد الآخذة بالنضوب.

وفي حين تعتبر بلدان مجلس التعاون الخليجي في مقدّمة الدول الأكثر إسهاماً في تقديم المساعدة للعمليات الإنسانية لمعالجة نتائج الصراع في سورية، إلا أنها الأكثر مقاومة لمنح صفة اللاجئ للأشخاص الهاربين من النزاعات التي تحفل بها المنطقة. ويتّفق هذا الوضع مع قوانين التجنيس الحمائية في تلك الدول. ففي العام 2015، أسهمت المملكة العربية السعودية بمبلغ 88.8 مليون دولار، والكويت ﺑِ313.6 مليون دولار، والإمارات العربية المتحدة ﺑِ71.9 مليون دولار للعمليات الإنسانية المتعلّقة بالأزمة السورية، بما فيها العناية باللاجئين.11 ومع أن دولاً عدة في مجلس التعاون الخليجي تحاجج بأنها استضافت الآلاف من العمال والطلاب السوريين المهاجرين منذ العام 2011، فإن أياً من هذه البلدان لم يمنح صفة اللاجئ للسوريين الهاربين من الصراع.12 وقد أشارت المملكة العربية السعودية، على سبيل المثال، إلى أنها منحت تصاريح دخول ﻟِ2.5 مليون سوري منذ العام 2011، إلا أن الباحثين بيّنوا أن هذه الأرقام لا تدعمها البيانات الرسمية، وقدّروا العدد الفعلي بما يقرب من 420 ألف تصريح.13

في المشرق، يستضيف لبنان والأردن، الذي تجمعه حدود مشتركة مع العراق وفلسطين وسورية، العدد الأكبر عالمياً من اللاجئين من حيث حصة الفرد.14 ولكلٍّ من الدولتين تاريخ طويل من استقبال اللاجئين، بما في ذلك موجات من الأرمن، والفلسطينيين والعراقيين. وفي كلا البلدين، لازالت مخيمات اللاجئين الفلسطينيين موجودة منذ إقامتها قبل أكثر من سبعين عاماً كملاجئ مؤقتة للهاربين من مناطق النزاع، مع أن كلا الدولتين لم توقعّا على اتفاقية اللاجئين أو البروتوكول المتعلق بهم.15 وبينما دُمج الأرمن في ما بعد في البلدان التي هربوا إليها، واستقروا أساساً في لبنان وسورية، فالأردن هي الدولة الوحيدة التي منحت الفلسطينيين حقوق الجنسية كاملةً، حيث أن أكثر من نصف سكان الأردن اليوم من أصول فلسطينية.16 غير أن ثمة آلافاً منهم، من غزة بصورة أساسية، لم يجرِ تجنيسهم ولازالوا يعيشون في ظل أوضاع مزرية، كما في مخيّم جرش الذي يضم نحو 30000 لاجئ،17 بينما سحبت السلطات الأردنية، الجنسية اعتباطاً من آخرين في الآونة الأخيرة.18 ولم يدمج لبنان الفلسطينيين، الذين يعيش 174 ألفاً منهم في اثني عشر مخيماً في البلاد،19 حيث تفرض القيود على تحركاتهم ويحصلون على القليل من الخدمات في مجال التعليم، والصحة، والتوظيف.20 ومن المرجح أن يسوء الوضع عندما ينقطع التمويل والدعم الدوليان من خلال وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين (الأونروا).21 أما الفلسطينيون في سورية، فقد تم إخراجهم خلال السنتين الماضيتين، بعد أن قامت قوات الحكومية السورية بمحاصرة مقرهم الرئيس وهو مخيم اليرموك.22

تتحمّل الدولتان الآن نصيباً غير متكافئ من العناية بالعدد الأكبر من اللاجئين. فقد ارتفع عدد سكان لبنان من 4.4 ملايين إلى أكثر من 5.9 ملايين نسمة في غضون سنتين جراء تدفق اللاجئين، مافرض ضغوطاً هائلة على المؤسسات الحكومية، والمجتمعات المحلية، والبنية التحتية في البلاد مثل المياه، والكهرباء، والمدارس، والمرافق الصحية.23 وفي الأردن، تكشّفت تطوّرات مماثلة حين ارتفع عدد السكان بما يقارب 87 في المئة بين العامين 2005 و2016، وأغلب هذه الزيادة السكانية من غير الأردنيين، بخاصة العراقيين ثم السوريين الذين هربوا من الصراعات التي احتدمت في البلدين.24 ويحتل البلدان المرتبة الأولى ثم المرتبة الثانية في حصة الفرد من اللاجئين في العالم؛ فلبنان يستضيف 164 لاجئاً لكل 1000 شخص من السكان، بينما يستضيف الأردن 71 لاجئاً لكل 1000.25

تسبّبت الزيادة السريعة في عدد السكان بانخفاض مهم في مستوى الحصول على الخدمات، وتفاقم الضغوط القائمة أصلاً في المجالات الاقتصادية الاجتماعية والبيئية (مثل شح الموارد المائية)، كما أدّت إلى تزايد النزوح نحو المدينة. وعلى سبيل المثال، يقيم ما يقارب نصف غير الأردنيين في عمّان، ما وسّع إلى حد بعيد جيوب الفقر الحضري وزاد من تردي حالة البنية التحتية الحضرية، وفي قدرة الحكومة على تقديم الخدمات المطلوبة.26

للاستجابة إلى هذه الأزمة، تبنّت الدولتان سياسات مماثلة متشدّدة تجاه اللاجئين السوريين. ويعود ذلك، بالتحديد، إلى العبء المالي الكبير الذي تنطوي عليه رعاية الملايين من الأفراد المُدقعين، إضافة إلى الهموم الجديّة حول مخاطر التغيّر في الميزان الديموغرافي. فبينما يتخوف الأردنيون في الضفة الشرقية من التحوّل إلى أقلية، فإن اللبنانيين يساورهم القلق من التداعيات السياسية التي قد تنجم عن اختلال التوازن الديموغرافي الطائفي.27

وهكذا، فرضت الدولتان قيوداً مشددة على منح وتجديد تصاريح الإقامة. ويقتصر الآن نفاذ اللاجئين إلى الخدمات الأساسية مثل التعليم، والصحة، والاستخدام، والمساعدة القانونية في أغلب الأحيان على المُسجلين أو على من يملكون وثائق قانونية.28 ومثل هذه القيود تدفع اللاجئين إلى أن يعتمدوا اعتماداً كبيراً على المعونات الدولية.

 

توصيات السياسة العامة

تحويل الاتفاق العالمي إلى ترتيبات مُلزمة

لمعالجة هذه النواقص والثغرات، ينبغي على أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة أن يدرسوا تحويل الاتفاق العالمي للعام 2018 لوضع "الإطار الشامل للاستجابة للاجئين"، إلى أداة مُلزمة تتمتّع بآلية تنفيذية ذات مصداقية.29 ويحاول هذا الاتفاق الدولي، الذي صدر استجابةً لأزمة اللاجئين الراهنة، التخفيف من تأثيراتها، وفي بلدان خطوط المواجهة بصورة خاصة، من خلال المشاركة المنصفة في الأعباء والمسؤولية.30

نظراً إلى تعقّد الصراعات الراهنة وصعوبة التوصل إلى حلول سياسية معقولة لها وتنفيذها، فإن "الإطار الشامل للاستجابة للاجئين" يُعطي دول المنطقة الفرصة للمطالبة بدعم طويل الأمد ولسنوات عدة، يتجاوز مجرد الإغاثة الإنسانية، ويشمل الاستثمار في مجالي الاقتصاد والبنية التحتية.31 ستتجلّى هذه الالتزامات على مدى سنوات عدة في "منتدى اللاجئين العالمي" الذي ينبغي أن يُعقد على المستوى الوزاري مرة كل أربع سنوات. وقد أعربت وزارة الخارجية اللبنانية عن اهتمامها بهذا الجانب من الاتفاق العالمي. كما أبدى الأردن اهتمامه بتطوير أدوات دولية للمشاركة في تحمل الأعباء، مثل "وثيقة العقد" مع الأردن العام 2016 الذي جرى تبنيه بالشراكة مع الاتحاد الأوروبي بهدف فتح فرص الاستخدام للاجئين السوريين، مقابل تيسير الصادرات إلى أوروبا ودعم المشاريع التنموية.32 ومع أن هذه الوثيقة لم تحقق الأهداف المتوخاة منها، وهي توفير 200 ألف تصريح عمل (تقول التقارير إن 37 ألف سوري فقط حصلوا على هذه التصاريح العام 2017،33 بينما سمح لسبع شركات فقط بالتصدير حتى الآن)34 فإن ذلك يدل على الكيفية التي ستنفذ بها. لكن يمكن أن يكون تطوير هذا النموذج عملية يسيرة وفعّالة.

في وسع "الإطار الشامل للاستجابة للاجئين" أن يسمح للمنطقة العربية بتحويل أزمة اللاجئين إلى فرصة، ذلك إن سعى إلى تدبير الحلول لدعم البلدان المضيفة، وتعزيز الاعتماد على النفس لدى اللاجئين، والإعلاء من شأن عودتهم بأمان وكرامة إلى موطنهم الأصلي، مع تيسير السبل الكفيلة بإعادة توطينهم في بلد ثالث. نقول إن هذا السعي من جانب "الإطار الشامل للاستجابة للاجئين" يتفق في أهدافه مع مطالب الدول المضيفة.35 كما أنه من الممكن أن تؤدي آليات المشاركة في تحمل الأعباء إلى تأثيرات إيجابية في تلك الدول نفسها، حيث ستعزز قدرتها على توفير الخدمات، وتطوير البنية التحتية، وتشجيع النمو الاقتصادي.

 

تحسين التعاون الإقليمي الفرعي

تُعتبر الاستجابات بين الحكومات على الصعيد الإقليمي الفرعي أداة أساسية ينبغي على دول المنطقة استخدامها لتخفيف حدة الأزمة. لتحقيق هذا الهدف، يساند "الإطار الشامل للاستجابة للاجئين" استحداث آليات على المستوى الإقليمي والإقليمي الفرعي للتعامل مع تحدي اللاجئين؛ وسيسمح هذا المسار بمزيد من التعاون التفاعلي بين الأردن، ولبنان وكذلك تركيا، حول الخيارات السياسية. وقد يشمل هذا التعاون تقييماً مشتركاً للاحتياجات، ودعوة جماعية لالتزام عالمي بتمويل المشاريع الإنسانية وإيجاد حلول مستدامة للأزمة.

إن الأمثلة العالمية توحي بأن البروتوكولات والاتفاقيات الإقليمية طبّقت بنجاح في دول أفريقية وأميركية لاتينية لمواجهة تحديات مماثلة. كانت اتفاقية كمبالا التي تبناها الاتحاد الأفريقي العام 2012 مَعْلماً أساسياً لحماية اللاجئين والنازحين محلياً في أفريقيا، وحدّدت مسؤوليات الدول في حماية هؤلاء وندّدت بالترحيل العشوائي بأشد العبارات.36 وبالمثل، فإن إعلان كارتاغينا الذي تبناه عدد من الدول في أميركا اللاتينية أعاد تأكيد المبادئ التي نصت عليها اتفاقية العام 1951، ولكنه أدخل عليها تعديلات لمواجهة التحديات الإقليمية المتوطّنة عن طريق توسيع تعريف اللاجئين بحيث يشمل الأفراد الهاربين من الأماكن التي يسيطر عليها العنف الذي تسبب في انتشاره عصابات قطاع الطرق.37

 

تطوير برنامج لأصحاب المصالح المتعددين

يستدعي حجم أزمة اللاجئين وعمق تأثيراتها في المدى القصير والمتوسط والطويل على السلام والازدهار في الشرق الأوسط، انخراط جميع قطاعات المجتمع المعنية في بلورة خطط متكاملة ومتعددة الجوانب للاستجابة لمسألة اللاجئين. ويشمل ذلك المنظمات الدولية، ومنظمات المجتمع المدني، والمجالس البلدية، ووسائل الإعلام، والقطاع الخاص.

قد تؤدي خطة متكاملة إلى الإقلال من ازدواجية المبادرات بين المنظمات المختلفة. وستنظر هذه الخطة وأمثالها في تداعيات الأزمة ومضاعفاتها على مختلف الجبهات، مثل النفاذ إلى التعليم بالنسبة للاجئين، وإلى فرص العمل، واحتياجات بناء القدرات على الصعيد المحلي لموظفي الحكومة الذين يتعاملون مع اللاجئين، والحملات العامة السلبية حول اللاجئين، التي لاتتسبّب سوى في تقويض التماسك الاجتماعي. على سبيل المثال، يُمكن أن تواجه الجهود التعاونية بين المنافذ الإعلامية ومراكز البحوث حملات التضليل المعاكس حول عدد اللاجئين الفعلي أو تأثيرهم على سوق العمل أو القطاعات الموجهة للخدمات.38 يضاف إلى ذلك أن التعاون بين المنظمات الدولية والمنظمات المحلية غير الحكومية، قد تساعد على بناء القدرات لموظفي البلديات العاملين في الخطوط الأمامية للأزمة وتُسهم، في الوقت نفسه، في جهود تسليم الخدمات. ويمكن لشركات القطاع الخاص كذلك أن تلعب دوراً أكثر تفاعلاً في تحديد فرص العمل الأنسب للاجئين، بحيث تقلل اعتمادهم على مساعدة الحكومة أو المنظمات غير الحكومية.39

تشجيع المشاركة على المدى الطويل من أجل التنمية ودمج العمل

يتعيّن على المجتمع الدولي أن يلتزم بدعم أوسع نطاقاً في مجال معونات الإغاثة الإنسانية، ويشمل ذلك دعماً تنموياً للدول المضيفة لإعادة تأهيل شبكات البنية التحتية وتوسيعها وإنعاش اقتصادات تلك البلدان. وينبغي أن ترافق هذه المعونات التزامات قوية من الدول المضيفة بتمكين اللاجئين اقتصادياً عبر تأمين وصولهم إلى سوق العمل وتحسين أوضاعهم المعيشية. وبدوره، سيمكّن ذلك اللاجئين من المساهمة بشكل إيجابي في خدمة المجتمعات المحلية والاقتصاد.

إعادة توزيع السلطة والموارد على الصعيد الوطني

صاغ النشاط السياسي المحلّي، وكذلك سياسات الحكومات المركزية، مقاربات البلديات لأزمة اللاجئين. وقد تركت المقاربة اللادمجية، التي تتحكّم بها الاعتبارات الأمنية تجاه اللاجئين والتي تبنتها الحكومتان المركزيتان في الأردن ولبنان، للبلديات في خط المواجهة مهمة التعامل مع تدفّق اللاجئين. غير أنها فتحت الباب، ولاسيما في لبنان، أمام السلطات المحلية لتتولى أدواراً جديدة، بخاصة في الناحية الأمنية، ولتستخدم دعم المانحين الدوليين لبناء قدراتها وتعزيز أوضاعها المالية. وأدّى ذلك إلى تباين في الإجراءات المتّخذة محلياً للتعامل مع احتياجات اللاجئين.

أسهمت عوامل عدة في كلا البلدين، في تحديد الاستجابات المحلية.40 فقد فاقمت الأزمة من تحديات الحوكمة البنيوية طويلة الأمد، بما فيها عملية صنع القرار بالغة التمركز والنفاذ المحدود إلى تمويل القطاع العام للبلديات.41 وفي الأردن، على سبيل المثال، تتطلّب أصغر القرارات وأذون الإنفاق توقيعات من الوزارات المعنية، كما أن طرد موظف في إحدى البلديات من العاملين وفق عقود عمل دائمة يتطلّب موافقة رئيس الوزراء. ويتفاقم الوضع لأن الحكومة المركزية هي التي توزّع التمويل على البلديات على أساس إيراداتها الضريبية (في الأردن) أو تعداد السكان المسجلين (في لبنان) لا على أساس السكان المقيمين فيها أو احتياجاتها التنموية. ويعني ذلك آخر الأمر أن أغلب التمويل يُخصّص للبلديات الأكثر ثراء.42 والحال أن صلاحيات البلديات في ما يتعلق بقضايا التنمية والأمن غامضة في أحسن الحالات، ولاسيما في لبنان. فلم يكن من الواضح بالنسبة إلى البلديات، مثلاً، ما إذا كانت مسؤولياتها تتضمن النظر في قضايا الأفراد السوريين الذين كانوا يخالفون شروط الإقامة الصادرة عن مديرية الأمن العام.43

ازدادت حدة هذه المشاكل البنيوية القائمة منذ زمن بعيد في لبنان جراء الشلل السياسي الأخير الذي ضرب البلاد، وتجلى في العجز عن انتخاب رئيس للجمهورية لأكثر من سنتين (بين عامي 2014 و2016). ويعني ذلك أنه لم تكن ثمة سياسة واضحة قابلة للتنفيذ من جانب الحكومة المركزية تجاه اللاجئين، ولاسيما في المراحل الأولى من الأزمة.44 وفي حين فرضت بلديات عديدة مزيداً من القيود على حركات اللاجئين من خلال حظر التجول ليلاً، فإن بلديات أخرى وفرت لهم فرص العمل. وبينما طردت بعض البلديات اللاجئين الذي يكفلهم أفراد لايقيمون داخل حدودها الإدارية، استطاعت بلديات أخرى الحصول على تمويل دولي عن طريق اتخاذ إجراءات سخية تجاه اللاجئين. واعتمدت البلديات التي فرضت القيود على حركات اللاجئين على البلاغات والتعميمات الصادرة عن الوحدات الأمنية التي أقامتها وزارة الداخلية والبلديات.45 ومن هنا، ففي حين فرضت بلدية كفر رمان في جنوب لبنان إجراءات مشدّدة، مثل حرمان اللاجئين السوريين الذين لايقيم كفلاؤهم في البلدة نفسها من الدخول إلى الأماكن العامة، فإن بلديات أخرى مثل بلدية زغرتا اتخذت إجراءات أكثر حذراً عندما رفضت فرض حظر التجول أو استيفاء رسوم إقامة من اللاجئين لم ينص عليها القانون.46

في المقابل، اتّضحت معالم السياسات الأردنية تجاه اللاجئين السوريين في خطة الاستجابة لأزمة اللاجئين التي وضعتها الحكومة وتولت تنفيذها جميع المؤسسات ذات الصلة، ما أدّى إلى استجابة منهجية أكثر من قِبل البلديات الأردنية.47 على سبيل المثال، أُنشئت مديرية محدّدة في وزارة الداخلية باسم "مديرية شؤون اللاجئين السوريين" لتنسيق المسائل المتصلة باللاجئين في البلاد.48 وخلافاً للوضع في لبنان، فإن الشرطة لا البلديات هي التي تتعامل مع حركة اللاجئين السوريين الذين لايحملون وثائق هوية صالحة.49

أسهمت اعتبارات مناطقية خاصة، وكذلك علاقات عشائرية أو طائفية، مثل شخصية المحافظ أو المختار بدور كذلك في تحديد طبيعة الاستجابات المحلية. فقد كانت بلدية المفرق، مثلا، أكثر انفتاحا تجاه اللاجئين من المناطق الأخرى في الأردن. ويعود ذلك، جزئياً، إلى علاقات القربى التي تربطها ببلدة درعا السورية. وفي لبنان، كانت البلديات التي يُهمين عليها السنة هي الأقل تشدّداً مقارنةً مع البلديات التي يسيطر عليها الشيعة والمسيحيون في ما يتعلق بتطبيق حظر التجول. ويعود ذلك، في جانب منه، إلى أن أغلبية اللاجئين السوريين هم من السنّة.50 وعنى هذا التنوّع في استجابات البلديات أن تأثير اللاجئين على صعيد البلديات لم يكن متماثلاً. وكان من المرجّح أن يستقر اللاجئون في نواحٍ أكثر ودّاً وحفاوة نحوهم، بخاصة إذا واجهتهم إجراءات مشدّدة من جانب الحكومة المركزية. ونتيجةً لذلك، واجهت هذه المناطق مزيداً من الضغوط على بنيتها التحتية، بما في ذلك التخلّص من النفايات، وشبكات المياه، وكذلك تقديم الخدمات الاجتماعية، بينما ظلّت مواردها المالية محدودة بالمقارنة مع البلديات الأقل حفاوة.

أثّرت مواقف المنظمات الدولية غير الحكومية التي حدّدتها، جزئياً، أطر الحكومة المركزية للتعاون، على حوكمة البلديات. فبينما زادت الأزمة مما تحصله البلديات من موارد مالية وبناء للقدرات من المنظمات الدولية غير الحكومية، فإن تمركز صنع القرار في وزارات معينة قوّض دورها في تحديد السياسات المنبثقة عن الاحتياجات المحلية.51

تعاني الكثير من البلديات من شحّ الموارد، ولاتسيطر على تمويلها إلا بصورة محدودة، كما أنها عاجزة عن اجتذاب رأس المال البشري الكفؤ المطلوب لمواجهة الضغوط المتعاظمة على خدماتها. في هذه الأثناء، فإن الوزارات القيادية التي تختارها الحكومتان اللبنانية والأردنية بوصفها هي المحاور الرئيس مع المنظمات الدولية ليست، على الأغلب، هي المسؤولة عن الحكومات المحلية. على سبيل المثال، كانت الوزارات القيادية التي تتولى الاستجابة لأزمة اللاجئين السورية في لبنان والأردن، على التوالي، وزارة الشؤون الاجتماعية، ووزارة التخطيط والتعاون الدولي،52 وليست الوزارات التي تُشرف على الشؤون البلدية (وهي وزارة الداخلية والشؤون البلدية على التوالي).53 ومع أن الخطط الأردنية والسورية للاستجابة للأزمة تعترف بأهمية دعم البلديات في مجال بناء القدرات وتزويد الخدمات، تفتقر هاتان الخطتان إلى الآلية المحددة بوضوح للتنسيق بين المنظمات الدولية غير الحكومية والبلديات لا في مجال تنفيذ المشاريع وحسب، بل في التخطيط للاستجابة كذلك.54

كان من نتائج ذلك أن البلديات واجهت مسائل عدة في تعاملها مع المنظمات الدولية غير الحكومية. ففي لبنان، شعر رؤساء البلديات، أن مقاربة الطوارئ لهذه المنظمات في المدى القصير لم تعالج احتياجات مواقعهم على المدى الطويل.55 ورأوا أن برنامج العمل الذي تطرحه تلك المنظمات قد وضع في أغلب الحالات وفق أولويات المانحين لا حسب الاحتياجات المحلية، وأدركوا أنها كانت تنفذ مقاربة نموذجية واحدة لأزمة اللاجئين تصلح لجميع الحالات من دون تمييز، بصرف النظر عن الاعتبارات المحلية. وبدأت الشكوك تساور بعض البلديات تجاه المنظمات الدولية غير الحكومية، وساد الاعتقاد بأنها إنما تتعاون مع السلطات المحلية لمجرد جمع البيانات وليس لأغراض صنع القرار والتخطيط الشامل.56

 

توصيات السياسة العامة

دمج خطط العمل وتوحيدها

ينبغي على الحكومة على الصعيد الوطني أن تشجّع على قيام مقاربة مدمجة متكاملة لمواجهة أزمة اللاجئين، من خلال خطة عمل شمولية تحدد العناصر الرئيسة للتحديات المتصلة بالأزمة. ويجب أن تتضمن هذه الخطة جميع الأطراف المعنية وأصحاب المصالح المشاركين في معالجة تداعيات تدفق اللاجئين، بمن فيهم الجماعات المُضيفة واللاجئون أنفسهم. ومن خلال التعاون الوثيق مع المنظمات الدولية، والقطاع الخاص والصحافة، والمؤسسات الأكاديمية، والمجتمع المدني، تستطيع هذه الخطة حماية حقوق اللاجئين، وتحسين مستوى الرعاية لهم وتأثيرهم الإيجابي على الاقتصاد، والارتقاء بالتماسك الاجتماعي بالتصدي للأخبار السلبية المزيفة التي تدور حول تأثيرات اللجوء على المجتمعات المضيفة.

 

إشراك الحكومات المحلية في رسم السياسات حول اللاجئين

من واجب الوزارات المسؤولة عن الحكومة المحلية أن تبذل قصارى جهدها لإقامة منصة للبلديات الأكثر تأثراً بأزمة اللاجئين؛ منصة تتيح لها مناقشة التحديات التي تواجهها، وتعلُّم بعضها من بعض، وتجميع مواردها المالية والبشرية، وتقديم نفسها بوصفها جبهة موحدة في النقاشات الوطنية أو جولات رسم السياسات المتعلقة بوجود اللاجئين. ستخلق هذه المنصة كذلك منفذاً واحداً للتعامل مع الوزارات التنفيذية الأخرى، وكذلك مع المنظمات الدولية التي تريد التشاور مع الحكومات المحلية حول تعميم السياسات المتعلقة باللاجئين. وتستطيع مثل هذه المنصة أن تخلق فرصة للبلديات لمناقشة أولويات استثماراتها العامة بأساليب تفيد اللاجئين وتلبي في الوقت نفسه احتياجات البلديات التنموية. كما أنها ستُتيح للمنظمات الدولية فرصة التنسيق مع البلديات خلال مختلف مراحل الاستجابة للاجئين، أي بدءاً من التخطيط مروراً بالرقابة والتقييم ووصولاً إلى التنفيذ. وقد يؤدي ذلك، مع مرور الوقت، إلى إعادة بناء الثقة بين المنظمات الدولية غير الحكومية من جهة، والبلديات من جهة أخرى، وييسر بالتالي تعاون البلديات مع تلك المنظمات.

 

توفير الحوافز المالية

ينبغي تقديم حوافز للبلديات التي تستضيف أعداداً كبيرة من اللاجئين. وقد تتوفّر في لبنان مثل هذه الحوافز عن طريق السماح للبلديات التي تستضيف اللاجئين بالاحتفاظ بنسبة أعلى مما تجبيه من ضرائب. وقد تشمل الخيارات الأخرى قيام الحكومات المركزية بتحويل المال إلى البلديات على أساس احتياجاتها وليس على أساس قاعدتها الضريبية الأساسية.57

 

تمكين التخطيط الإقليمي

علاوةً على ذلك، يجب منح البلديات مزيداً من الصلاحيات لا في تقديم الخدمات وحسب، بل في التخطيط الاستراتيجي كذلك. ذلك أن تطوير قدرتها على التخطيط، سيتيح المجال للمشاركة في تحمّل الأعباء بين البلديات التي تستطيع آنذاك أن تجمع الموارد وتوحّدها، ليتسنى لها التعامل بصورة أفضل مع السياسات الخاصة بكل منها. ولتحقيق ذلك، ينبغي على الحكومات المركزية أن تضع إطاراً مؤسسياً للتخطيط الإقليمي والتنسيق بين البلديات. وعندما تتوفر قدرات التخطيط والتنفيذ المحسّنة، فمن المرجح أن تعمل المنظمات الدولية غير الحكومية كشريك فعلي مع الحكومات المحلية.

 

تعزيز كفاءة الحوكمة المحلية

يُضاف إلى ذلك أن تعزيز كفاءة الحوكمة المحلية يتطلّب من الحكومات الوطنية والبرلمانات تبسيط الإجراءات واستحداث تدابير واضحة للتدقيق لتحاشي الفساد عندما تحدث زيادة مفاجئة على طلب الخدمات.58

حماية حقوق اللاجئين: استكشاف حلول دائمة

إن ندرة الحلول الدائمة لأزمة اللاجئين، يتطلّب مقاربة شجاعة وابتكارية. والحلول المطروحة حاليا والتي تتضمن في العادة ثلاثة خيارات أساسية- الإعادة إلى الوطن الأصلي، أو إعادة التوطين، أو الدمج المحلي- لا تقدّم حلًا مستداماً لنزوح الملايين من البشر بعيداً عن أوطانهم. وقد كانت تلك هي حالة اللاجئين الفلسطينيين.

والأرجح أن خيار الإعادة الطوعية الجماعية إلى سورية لن يبرز في المستقبل القريب، إذا ما أخذنا بالاعتبار استمرار التحديات الأمنية والسياسية المتعددة. وهي تشمل قانون التجنيد الإجباري الذي يرغم الشباب البالغين حتى سن الثانية والأربعين على الالتحاق بالجيش،59 وإجراءات التدقيق التي يفرضها النظام،60 إضافةً إلى التدمير الواسع الذي أصاب المدن السورية.61 وبالنسبة إلى اللاجئين في لبنان، الذين جاء نحو 70 في المئة منهم أساساً من محافظات حمص، وإدلب، وريف دمشق وحلب، فإن ذلك يطرح تحديات مهمة، لأن هذه المحافظات كانت من المواقع الأكثر تضرّراً خلال الحرب.62 كما أن القانون الرقم 10 الذي صدر مؤخراً وسمح بتصنيف الأراضي كمناطق تنظيمية لإعادة الإعمار يمثّل تهديداً لأملاك اللاجئين الخاصة.63 ومع أن الأسد أصدر في الآونة الأخيرة عفواً رئاسياً عن العسكريين الهاربين من الخدمة العسكرية ومن التجنيد الإجباري، شرط أن يسلّموا أنفسهم لممثّلي النظام خلال فترة تتراوح بين أربعة وستة أشهر ويقضوا سنتين في الخدمة الفعلية، فإن كثيراً من السوريين يتخوّفون من أن هذا العفو، شأنه شأن صفقات المصالحة، سيستخدم لإيداعهم السجن أو للحكم عليهم بالإعدام. وتبرز عقبات أخرى في وجه اللاجئين الراغبين في العودة إلى مواطنهم في العراق أو السودان، حيث تعترض سبيلهم تحديات محددة أخرى تتعلّق بجوانب طائفية أو إثنية من الصراع والنزوح أو ضعف السلطة المركزية.

منذ العام 2015، باتت عملية إعادة التوطين في دول أوروبية وغربية أخرى أكثر صعوبة باطّراد، هذا إذا لم تكن مستحيلة. وقد أسهم السياسيون الشعبويون والأحداث الأمنية في تضييق الخناق على سياسة الهجرة في الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.64 وتحرص الدول الأوروبية على الابقاء على المهاجرين السوريين في البلدان المجاورة لها. ويتجلى ذلك في الصفقة المبرمة بين تركيا والاتحاد الأوروبي التي وافقت بها تركيا على استعادة طالبي اللجوء الذين جرى ترحيلهم من اليونان مقابل ستة مليارات دولار من المعونات. وبالمثل، فإن مساهمة بلدان الخليج في أزمة اللاجئين لازالت تقتصر على المعونات الإنسانية.65 وعلى الرغم من بروز بعض المرونة تجاه اللاجئين السوريين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي لم تعط أية إشارة على استعدادها لتغيير سياساتها الخاصة باللجوء.

وبالنسبة إلى اللاجئين، لا جدوى هناك أيضاً من خيار الدمج في البلدان المضيفة. ففي لبنان. رفض المسؤولون في الدوائر الحكومية رفضاً قاطعاً مجرد ذكر مسألة تجنيس اللاجئين،66 لأنهم يعتقدون أن ذلك سيقوّض التوازن الديموغرافي الطائفي الهش في البلاد. وقد حمل وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل مؤخراً على المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في الأمم المتحدة لدعوتها جميع الأطراف إلى احترام العودة الطوعية، واتّهمها بأنها "منظمة تعمل ضد سياسة (لبنان) الرامية إلى عدم التجنيس وإلى إعادة النازحين إلى بلادهم".67 كما أعلن باسيل خلال رحلة قام بها مؤخراً إلى روسيا لمناقشة عودة اللاجئين، أن "لبنان يرفض الربط بين عودة اللاجئين والحل السياسي [في سورية]".68 وفي تركيا، التي كانت قد رحبت بأعداد ضخمة من اللاجئين السوريين وجنّست 12 ألفاً منهم، وصل الأمر إلى حد المطالبة بعودة اللاجئين السريعة، نظراً إلى الضغوط الاقتصادية والاختلافات الثقافية.69

أخيراً، تحدّ السياسات المشدّدة على الحدود، التي فرضتها الدول المضيفة المجاورة من قدرة اللاجئين على الانتقال من سورية وإليها، وتعيق عودة اللاجئين بصورة آمنة وسلسة ومتواصلة. وتشير أمثلة من سياقات أخرى إلى أن إعادة اللاجئين إلى أوطانهم غالباً ما تكون متواترة، وليست نهائية على الفور. فمن ناحية، يقوم أفراد الأسرة أحياناً برحلات متعددة إلى بلدهم الأصلي للتأكد من أن الأوضاع آمنة فيه، ولتأمين الترتيبات الضرورية لعودة العائلة.70 ومن جهة ثانية، فإن الرأي ينقسم في الغالب داخل العائلة الواحدة بين من يريدون البقاء في البلد المضيف لسبب أو أكثر، بما في ذلك التخوّف الأمني، ومواصلة التعليم، أو العمل، ومن يعودون إلى أوطانهم ليجربوا حظهم هناك.71 وهذه الحركة، جيئة وذهاباً تتيح للعائلات الفرصة لتحقيق مصادر عدة للدخل لأن بعض أفراد العائلة قد يحاولون مزاولة العمل في بلدهم الأصلي بينما يبقى أفراد العائلة الآخرون في المنفى لمتابعة التعليم أو للمعالجة الطبية. وتقوم المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة في الوقت الحاضر برفع صفة اللجوء عن اللاجئين حالما يعبرون الحدود عائدين غلى بلدانهم الأصلية.72

في الوقت الذي تضيق فيه الخيارات أمام اللاجئين بصورة متزايدة، وتتخذ الإجراءات العسكرية مرتبة الأولوية على الحلول السياسية، يتوجّب على أصحاب المصلحة والأطراف المعنية الأخرى أن يبحثوا عن حل سياسي دائم يشمل عودة اللاجئين آمنين إلى أوطانهم، في ظل ضمانات سياسية وامنية ضرورية. وليس في وسع أي مقاربة إنسانية بحتة تتجاهل الجذور السياسية لأزمة اللاجئين أن تواجه التحديات البنيوية التي تحول دون عودتهم الجماعية الطوعية. ففي حين يتزايد شعور اللاجئين بأنهم محاصرون في مصيدة بين دول مضيفة تحاول ترحيلهم عنها من جهة، ورحلة العودة المحفوفة بالمخاطر من جهة أخرى،73 يتعيّن بذل جهود دؤوبة من المجتمع الدولي للتخفيف من الأوضاع البائسة التي يواجهها اللاجئون على جانبي الحدود. ويجب على هذه الخطة أن تحاول تخفيف الأعباء التي تتحمّلها الدول المضيفة وتحسين المستويات المعيشية للاجئين وللمجتمعات التي تستضيفهم على حد سواء، مع ضمان حقوق اللاجئين في العودة الطوعية إلى بلدانهم الأصلية. كما ينبغي زيادة المعونة المخصصة للتنمية الاقتصادية وللبنية التحتية وتوسيع نطاقها في بلدان المواجهة. وتهدف هذه الإجراءات إلى الارتقاء بأوضاع اللاجئين المعيشية وزيادة مساهمتهم الاقتصادية الإيجابية في البلدان المضيفة. وبصورة موازية، يجب اتخاذ خطوات ملموسة على الصعيد السياسي لضمان الأمن والسلامة للعائدين.

 

توصيات السياسة العامة

حماية حق العودة

إن السياسات والإجراءات التي اتخذها النظام السوري في الآونة الأخيرة حول حقوق الملكية والحركة داخل سورية، تفرض في واقع الأمر شروطاً تحول دون عودة الملايين إلى وطنهم. وفيما يتوجب الإبقاء على عدم الإبعاد والعودة الطوعية بوصفهما عنصرين أساسيين في الإطار القانوني الدولي الخاص باللاجئين، فإنه ينبغي التأكيد بالقدر نفسه على حق العودة. ويجب على أصحاب المصلحة والمعنيين الدوليين، وبخاصة المانحين المحتملين لإعادة الإعمار في سورية، مثل الاتحاد الأوروبي، أن يصعّدوا الضغط على الحكومة السورية لإلغاء الإجراءات التي تحول دون عودة اللاجئين. وتشمل هذه الإجراءات، من حيث الأولوية، إلغاء أو تعديل قانون التجنيد الإجباري، وإجراءات التحقّق، وقوانين الملكية، ليتسنى للاجئين العودة المأمونة والمستدامة إلى بلدهم.

 

المطالبة بالتمكين القانوني للاجئين

فيما تُتَّخذ فيه إجراءات مشدّدة ضد اللاجئين على جانبَي الحدود، يصبح الحصول على المعلومات القانونية ضرورياً بالنسبة إلى اللاجئين. وفي هذا المقام، تستطيع المنظمات الدولية أن تساعد في تأسيس كوادر من المحامين أو المساعدين الحقوقيين السوريين الذين سيتعرفون على الأطر القانونية في سورية وعلى الحقوق التي تضمنها الاتفاقيات الدولية.74 وبالنظر إلى قوانين التطور الحضري، فإن في وسع الخبراء إبلاغ اللاجئين بحقوقهم، وبخاصة ما يتعلق منها بالإسكان، والأراضي، والملكية؛ ومن المرجّح أن هذه الحقوق ستكون من جملة المنازعات الأساسية في سورية بعد انتهاء الصراع. وهذا ما سيمكّن اللاجئين من اتخاذ قرار متبصّر في ما يتعلق بالعودة إلى سورية، طالما ظلت التشريعات محفوفة بالغموض والتعقيد في ما يتعلق بالتدقيق وحقوق الملكية.

 

زيادة حركة اللاجئين عبر الحدود

بما أن الوضع في سورية سيظل على الأرجح غير مؤكّد وغير مستقر، حتى بعد انتهاء الحروب الحالية، ستسمح الحركة عبر الحدود للاجئين باتخاذ قرار متبصّر وواعٍ حول العودة بصورة دائمة إلى مناطقهم الأصلية، ويجب السماح لهم بعبور الحدود خلال فترات زمنية محددة بينما يحتفظون بصفتهم كلاجئين. وخلال هذه الفترة الزمنية، سيقل الاعتماد على المعونات تدريجياً عندما يستعيد اللاجئون أسلوب معيشتهم السابق المعتاد إلى مستوى معين. كما أن الحركة عبر الحدود ستسمح للاجئين بتنويع مواردهم، ولذلك أهمية خاصة خلال حالات النزاع المتطاول، عندما تميل المساعدات إلى الانخفاض مع مرور الوقت، وتبرز إلى الصدارة صراعات أخرى أحدث عهداً.75

 

ملاحظات ختامية

أصبحت الصراعات التي تولّد نزوحاً جماعياً للسكان داخل الشرق الأوسط ومنه عالمية الطابع، ويمكن تلمّس عدم الاستقرار الذي تخلّفه خارج حدودها. ويتطلّب التصدّي إلى تداعياتها قيادة حاسمة واستعداداً للمشاركة في المسؤولية على المستويات المحلية والإقليمية والعالمية. وبغير ذلك لن يتحقق السلام الدائم لشعوب المنطقة.

 

مهى يحي، مروان المعشر

Date of Study: 
Tuesday, January 1, 2019
PDF Study File: 
Published By: 
مركز كارنيغي للشرق الأوسط